مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | جمال البدايات وتوهان المنتصف

صوت الشارع

مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | جمال البدايات وتوهان المنتصف

​تأتي البدايات دوماً في كل شي مغلّفة بسحر خاص تشبه الفجر الأول بعد ليل طويل، أو الخُطوة الأولى على أرض لم تطأها أقدامنا من قبل في البدايات يتملكنا شغف جارف وتشتعل في أرواحنا طاقة استثنائية تجعل كل صعب هينًا وكل بعيد قريباً غير أن هذا السحر سرعان ما يصطدم بصخرة الواقع حين نصل إلى “المنتصف” تلك المساحة الضبابية التي يتسلل إليها التعب وتتلاشى فيها الرؤية الواضحة
​في مستهل أي رحلة سواء كانت مشروعاً جديداً أو علاقة إنسانية أو حلم شخصي تكون المشاعر في ذروتها نرى النهايات وردية ونرسم الطريق بألوان الأمل فجمال البدايات يكمن في ذلك الشعور الذي يراودنا حينها ويرافقنا كذلك فالإنسان بفطرته يعشق “الجديد” ويجد في كل انطلاقة جديدة فرصة لإعادة اختراع ذاته في هذه المرحلة، لا نرى العقبات بل نراها تحديات ممتعة وتكون أحلامنا أكبر من خوفنا بكثير
​ولكن، ماذا يحدث بعد أن تهدأ ثورة البدايات؟ هنا نصل إلى أكثر مراحل الرحلة حرجاً ​فجأة يختفي وبريق الدهشة الأولى وتحلّ محله الروتينية والمشقة في المنتصف تبعد البداية كثيراً فلا نعد قادرين على العودة إليها وتبدو النهاية ما زالت بعيدة ومضببة مما يخلق نوعاً من الضياع الوجداني والتخبط يبدأ الحماس بالتبخر ويبقى المجهود اليومي الشاق و​التساؤلات الحادة وتعلو أصوات الشك الداخلي “هل كان هذا الخيار صائباً؟” “هل أملك القدرة على إكمال الطريق؟”
​تتشابه الأيام وينتاب الإنسان شعور بأنه يعوم في المحيط دون رؤية الشاطئ ​إن هذا “توهان” ليس دليلاً على الفشل بل هو في حقيقته الاختبار الحقيقي للرغبة فالبدايات للجميع ولكن الوصول للمنتصف هو ما يصنع الفرق بين من يحلم ومن يحقق حلمه ومن يتحمل
​فعبور المنتصف يتطلب طاقة جبارة من الالتزام والانضباط واستحضار تلك الرغبة الأولى يعيد شحن البطارية الروحية ليس بالضرورة أن نركض طوال الطريق في المنتصف أحيانا يُسمح بالشيء القليل من السير البطيء شريطة ألا نتوقف تماماً
​عمق اخر…
إن جمال البدايات يمنحنا الشجاعة لنبدأ، لكن شجاعة عبور المنتصف هي التي تمنحنا القوة لنصل وفوق ذلك كله القوة لله مدبر الأمر من قبل ومن بعد فلا تجعل ضبابية الطريق في منتصفه تنسيك نبل الهدف الذي انطلقت لأجله فخلف هذا التوهان تكمن فرحة الوصول

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى