مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | هل سيظل اليسار العلماني واليمين الإسلامي خصمين أم يصبحا متفقين على مشروع نظام سياسي علماني Made in Sudan(٢)؟

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | هل سيظل اليسار العلماني واليمين الإسلامي خصمين أم يصبحا متفقين على مشروع نظام سياسي علماني Made in Sudan(٢)؟

دكينيات(١٦٧٩) ٢٠٢٦/٧/٢٣م.

دكتور عصام دكين.

اختلف اليسار واليمين في إدارة البلاد بعد ثورة اكتوبر ١٩٦٤م رغم انجازهم للثورة مع بعضهما وتعثرت الحياة وخرج الشعب السوداني يهتف في مظاهرات (يا عبود ضيعناك وضعنا وراك) فسقطت الديمقراطية الثانية بانقلاب عسكري دبره اليسار الشيوعيون والبعثيون والناصريون رغم أن ثورة اكتوبر كانت ضد الحكم العسكري لم تأتي بهم الديمقراطية الثانية للحكم ففكروا في إستلام السلطة بانقلاب بقيادة العقيد جعفر محمد نميرى فى ٢٥ مايو١٩٦٩م وأطلق عليها اليسار ثورة مايو وغنى لها موسيقة وشعرا (مايو يا سيف الخلاص ويا جدار من رصاص) مكايدة فى اليمين وخصوصا الإخوان المسلمين آنذاك حيث قال اليسار مقولات دموية (أن نمسح حد السيف بحد اللحية أسهل من إلقاء تحية ياسيدى) كان الشيوعيون فرحين بنجاح انقلابهم الأحمر وأن السودان أصبح بلد على طريق الشيوعية والاشتراكية وخرج من التخلف والدروشة الدينية. والدين عندهم افيون الشعوب كما قال كارل ماركس عراب الشيوعية.
قامت حكومة مايو اليسارية بسجن وقتل اليمين أى قادة الأحزاب اليمينية قهرا وظلما وحصارا. دكتاتورية يسارية شيوعية وقاموا بتطهير البلاد من اليمين في الجامعات وكل المؤسسات الحكومية.
ثم اختلف اليسار مع جعفر نميري ودبر انقلاب ونجح لمدة يومين بقيادة هاشم العطا الشيوعي وفاروق حمدالله البعثى وبابكر النور الشيوعي ومن خلفهم الشيوعين وبقية اليسار كان انقلابا دمويا قتل فيه العديد من العسكرين. ولكن الضباط الأحرار من غير اليسارين أعادوا نميري إلى الحكم بانقلاب آخر وقام نميري بتصفية بعض الشيوعيين واليساريين الكبار وعلى رأسهم عبدالخالق محجوب والشفيع احمد الشيخ وفاروق حمدالله وبابكر النور وهاشم العطا….الخ ولم تقوم لهم قائمة حتى اليوم واصبحت مايو خالية من الشيوعيين واليساريين.
كانت أغلب القوى اليمينية معارضة لنظام نميرى الشيوعي حزب الأمة بقيادة الإمام الصادق المهدي والإخوان المسلمين والاتحادين بقيادة الشريف الهندى وحدثت صدامات دموية في ود نوباوي والجزيرة أبا راح ضحيتها الاف من الأنصار ومعهم الإخوان المسلمين على سبيل المثال الشيخ محمد صالح عمر وعلى طالب الله ونجا الاستاذ مهدي ابراهيم مع الإمام الهادى ولكن قتل الامام الهادي وأصبح الأمن يبحث عن الشاب صاحب الأنف الغليظة بجائزة مالية لمن يدل عليه الإسلامي (مهدي ابراهيم). ثم التمرد والغزو القادم من ليبيا المكون من القوى اليمينية الأنصار والإخوان المسلمين والختمية في ١٩٧٦م تم استلام البلاد لفترة يوم أو يومين أشبه بأحداث دكتور خليل ابراهيم في ٢٠٠٨م قتل فيه عدد من العسكرين وكانت بقيادة الضابط المنتمي لحزب الأمة محمد نور سعد واستشهد فيها شباب الاسلاميين عبدالاله خوجلي شقيق الصحفي حسين خوجلي وعبدالله ميرغني شقيق الصحفي عثمان ميرغني فى دار الهاتف الخرطوم ولكن نميري حسم ذلك التمرد وعادت مايو مرة أخرى ليس لها صليح من اليسار واليمين.
دخل اليمين السياسي في مصالحة وطنية مع نميري في مدينة بورتسودان بقيادة الصادق المهدي حيث ركز في التفاوض السيد الصادق المهدي المتحالف مع مايو سرا بعد استسهاد الإمام الهادي من قيادة الأنصار وحزب الأمة( ذكر لي أحد الأنصار الذين شاركوا في أحداث الجزيرة أبا عند اقتحامهم الدبابات وجدوا الصادق المهدي داخل إحدى الدبابات مما يؤكد تحالفه السري) طالب الصادق المهدي بالممتلكات وأموال دائرة المهدي ولم يهتم بالمسار السياسي مما أغضب الشريف زين العابدين الهندي وخرج من المصالحة، أما الاسلاميين بقيادة دكتور الترابي استفادوا من الاتفاق في ترتيب عملهم واقتربوا من نميري فنشأت بينهم علاقة وتفهم في ادارة الدولة وكان النميري يقول للمقربين منه سرا (أحب حسن الترابي وأكره الصادق المهدي واحب الأنصار وأكره الاخوان المسلمين) تواصلت العلاقة بين النميري والحركة الاسلامية بقيادة دكتور الترابي وبدأت أسلمة نظام نميري من خلال فرض قوانين مجتمعية بقفل بيوت الدعارة والخمارات والبارات وتهذيب الشارع العام حتى وصل الأمر لإعلان الشريعة الإسلامية فى العام ١٩٨٣م التى تم بها اعدام محمود محمد طه بتهمة الالحاد وهو رائد وقائد العلمانية في السودان.
بدأ العالم يتحرك ضد حكومة نميري بعد اعدام محمود محمد طه ووقفت امريكا ضد نميري وكذلك انجلترا واغلب دول اوربا وسعوا لفض الشراكة بين نميرى والحركة الاسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي وتم استدعاء نميري إلى امريكا تم اقناع نميرى بفض الشراكة مع الاسلامين والغاء الشريعة وتحرك نميرى وهو ينوي ذلك بسجن الاسلاميين وقتلهم والغاء الشريعة. ولكن كانت هنالك ترتيبات سرية من الاسلاميين للاطاحة بحكومة نميري قبل وصوله الخرطوم حيث المظاهرات وسوء الوضع الاقتصادى اجتهد اليسار العلماني المقتول والمسجون فى تحريك الشارع مع اليمين الغاضب حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والاسلاميين للتخلص من نميري لانه دكتاتور و مزاجي لاسقاط حكومة نميري فكانت انتفاضة رجب ابريل ١٩٨٥م اسقطت نظام نميري بانحياز القوات المسلحة إلى الشعب المنتفض بقيادة المشير عبدالرحمن سوار الدهب وهنا تجلت عبقرية الحركة الاسلامية في اختيار ضابط إسلامي يقود المجلس العسكري والمجلس السيادي آنذاك خلال الفترة الانتقالية ونجح سوار الذهب في ذلك حيث كانت الفترة الانتقالية لمدة عام واحد فقط وبحكومة تكنوقراط رئيس وزرائها الدكتور الجزولي دفع الله وكانت أفضل فترة انتقالية تمت فيها إدارة التغير بعد سقوط نظام عسكري وقامت الانتخابات فى العام ١٩٨٦م وفاز اليمين بجميع مقاعد البرلمان الجمعية التاسيسية وكانت الجبهة الاسلامية بقيادة الدكتور الترابى الحزب الثالث ب51 مقعدا مكنتها من الائتلاف مع حزب الأمة صاحب الأغلبية وتشكيل الحكومة من نصيبه والحزب الاتحادى نصيبه فى الحكم رئاسة الدولة لأن نظام الحكم برلماني وليس رئاسي فى تشكيل الحكومة وخرج اليسار من المولد بلا حمص.
* كانت آكبر خدمة قدمها نميري للاسلاميين إعلان الشريعة الإسلامية التى ينادون بها والقضاء على اليسار وبالأخص الشيوعين والجمهورين.
* من التجارب السودانية فى زمن الثورات أن اليسار هو صوت الجماهير أي يتحدث باسم الجماهير (جماهير شعبنا كما يقول البعثين) فى زمن الفوضى واليمين صوت النظام لذلك قال اليسار بعد سقوط نميري الذى اتوا به وغنوا له يا (حارسنا ويا فارسنا يا فاتح مدارسنا) وبعد السقوط قالوا عن نميري (لا حارسنا لا فارسنا ويا مقفل مدارسنا) بلا وإنجلى حمدلله على السلامه واجتهد اليسار في إزالة آثار مايو ومؤسسات الحركة الاسلامية وقوانين والشريعة الاسلامية ولكن استعصت عليهم.
تخندقت الحركة الاسلامية في حماية ما انجزته من مؤسسات اقتصادية وقوانين الشريعة الاسلامية وغيرها، وتحول اليمين حزب الأمة والأنصار والإتحادي الديمقراطي والختمية اعداء للحركة الاسلامية وطعنوا في الشريعة الاسلامية وطالبوا بازالتها من نظام الحكم والقوانين التي أقرها نميري واستمرت ارادوا أن يغيروها بقوانين علمانية وقال عنها الصادق المهدى لا تساوي ثمن الحبر الذى كتبت به بمساعدة اليسار والعلمانين الساعين إلى الفوضى وإعادة البارات والخمارات وبيوت الدعارة وإلغاء الشريعة لذلك ظل اليسار العلماني واليمين الاسلامي خصمين في السودان وكان عليهما أن يكونا ليس كذلك بل يكونا متقابلين في معادلة الحكم والحياة في السودان وتطوير الممارسة السياسية والتداول السلمي للسلطة مثل حزب العمال والمحافظين في انجلترا والجمهورين والديمقراطين في امريكا بدلا أن يكونا خصمين ومتفرعين لأكثر من مئة حزب وأكثر من خمسة وثمانون حركة مسلحة…نواصل.
–‐———————————–
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين.

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى