مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب |لا تنجع

صوت الشارع

مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب |لا تنجع

​كنت استمع إلى فنان الطنبوري محمد النصري وهو يردد واحدة من اغنياته التي احبها وهي من كلمات شاعرنا المدهش خالد شقوري ” لا تنجع” وعندما وصلت الى المقطع الذي يقول” الواطا ابت تديك ولا انت عليك ماهابي رياح” هنا إحساس الشاعر بداخلي حرف المقطع ليتناسب مع حال الكثيرين في أرض المهجر الي “الغربة ابت تديك الخير الفيها ولا عليك ماهابي ريااح” إذ تظل “الغربة” واحدة من أعقد التجارب الإنسانية التي يخوضها المرء في حياتة فهي ليست مجرد انتقال جغرافي من أرض إلى أرض بل هي اغتراب روحي يضع الإنسان في مواجهة مفتوحة مع ذاته ومعادلات الحياة الصعبة فالمقطع بعد” تحريفه ” يلخص حال ملايين المغتربين الذين يجدون أنفسهم عالقين في منطقة رمادية بين طموح لم يتحقق كاملًا وضريبة قاسية تدفع من عمارهم وصحتهم وراحتهم النفسية فالناظر في عمق هذه الكلمات يجدها تصف بدقة “شُح” الغربة في كثير من الأحيان فالخير الذي يهاجر المرء من أجله سواء تأمينًا لمستقبل الأبناء أو بحثًا عن أفق أرحب أو أن يعدل حال الأهل، الأمر لا يأتي سهلًا كما يعتقد كثير من الناس قد “تأبى” الغربة أن تمنح المهاجر ثمارها كاملة بل تقطر عليه من خيرها بقدرٍ مايجعله رهنًا لها مستمرًا في السعي دون الوصول إلى نقطة الاكتفاء الروحي أو المادي الكامل إنك تعطي الغربة زهرة شبابك وسنوات عمرك الأكثر إنتاجية وفي المقابل قد لا تمنحك سوى الكفاف أو نجاحًا ماديًا مصحوباََ بالقلق الدائم وتتجلى قسوة الظروف المحيطة بالمغترب في تقلبات الحياة والبحث عن عمل ثم ضغوط العمل وقوانين الإقامة وتكاليف المعيشة المرتفعة فضلًا عن رياح الشوق والحنين التي تهب بعنف على قلبه كلما تذكر تفاصيل وطنه وأهله الغربة لا تحمي ظهر المغترب بل تتركه مواجهًا لهذه الرياح العاتية بمفرده بلا سند أو جدار اجتماعي يستند عليه عند الأزمات وأخطر ما في الغربة هو ذلك الثمن غير المرئي الذي يدفعه الإنسان دون أن يشعر به في البداية كفقدان اللحظات الحميمية وحضور الأعياد ومشاركة الأهل مسراتهم وأحزانهم ومراقبة الأطفال وهم يكبرون أو توديع الأحبة الذين يرحلون عن الدنيا في غيابك ف​الغربة تجعلك تعيش في قلق مستمر وتطر ان ترتدي قناع القوة والصمود أمام الأهل في الوطن حتى لا يتسلل إليهم ماتشعر به من شوق وقلق ، هذه الموازنة الصعبة تجعل المغترب يتساءل في لحظات صدق مع النفس هل تستحق المكتسبات المادية كل هذا ؟ لتبقي الإجابة إنها أقدار الله فأنت مسير بأمره
عمق اخر…
و​في نهاية المطاف تصبح حياة المغترب أشبه برحلة بحرية في سفينة تلاطمها الأمواج فلا هو نال الصيد الوفير الذي يرضي طموحه ويسمح له بالعودة الفورية ولا الرياح هدأت لتعطيه استراحة المحارب ولكن رغماً عن قسوة هذه المعادلة يظل المغترب ينسج من خيوط الأمل فجرًا جديدًا متسلحًا بالصبر والإيمان على أمل أن تفتح له الغربة أبواب خيرها جودًا لا شُحًا أو أن يكتب الله له عودة كريمة إلى أرض الوطن حيث الدفء والأمان الذي لا تشتريه كل أموال الدنيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى