مقالات وكتاب

بصراحة اقتصادية | عبد المنعم علي التوم | من واقع التجربة والممارسة : الجنيه السوداني بعد التعويم… غرق في شبر ماء!!

صوت الشارع

مقالات وكتاب

بصراحة اقتصادية | عبد المنعم علي التوم | من واقع التجربة والممارسة : الجنيه السوداني بعد التعويم… غرق في شبر ماء!!

جاء الخبر وعمَّ القرى والحضر، ووصل إلى الناس كأنه نبأ صادم لا يحتمل التأجيل:

الجنيه السوداني… تم تعويمه!!

ويا له من تعويم!

فقد أُرسل واحد من أهم رموز سيادة الدولة السودانية إلى السباحة في بحر متلاطم الأمواج، دون سترة نجاة، ولا طوق إنقاذ، ولا حتى قارب صغير ينتشله إذا بدأت المياه تبتلعه!

والأغرب من ذلك أن البحر ليس هادئاً ولا آمناً؛ ففيه من الطفيليين والمتطفلين وحيتان السوق ما يكفي لإقامة محمية طبيعية كاملة!

أما القائمون على الأمر، فيبدو أن في عيون بعضهم غشاوة… أو أنهم لا يدرون أنهم لا يدرون أن البحر عميق، وأن فيه حيتاناً وثعابين وأسماكاً مفترسة لا تعرف الرحمة!

ولم يطل الانتظار.

فقد جاء الخبر اليقين سريعاً:

الجنيه السوداني غرق!

نعم، غرق الجنيه السوداني، ولكن المفاجأة الكبرى أنه لم يحتج إلى النزول إلى أعماق المحيط!

لقد غرق في شبر ماء فقط!

وهكذا اختصر الجنيه السوداني المسافات، ووفّر على نفسه عناء الغوص، وقرر أن يدخل التاريخ من أقصر أبوابه:
غرق قبل أن يصل إلى عمق البحر!

وغرق الجنيه السوداني، وغرقت معه أحلام وأشواق الشعب السوداني، ونُصبت سرادق البكاء والنحيب والعويل.

وهنا لا بد أن نسأل:

القصة ما قصة حرب؟
القصة قصة موت عديل!!

ففي دول العالم التي تحترم عملاتها وتعرف قيمة الاقتصاد، تُحسب لسعر صرف العملة ألف حساب وحساب، وتُوضع القوانين واللوائح والضوابط والنظم لحماية العملة الوطنية وحماية معاش الناس من الانزلاق إلى متاهات السوق والفوضى والمضاربة.

أما أن تطلق الجنيه السوداني في بحر العملات الأجنبية، ثم تقول له: «عوم يا جنيه وربنا معاك»، فهذا ليس تعويماً بالمعنى الاقتصادي الذي نعرفه، وإنما قد يكون أقرب إلى إلقاء العملة في البحر ثم انتظار أن تتعلم السباحة وحدها!

والسؤال هنا:

كيف يمكن لعملة وطنية أن تدخل معركة مفتوحة مع سوق موازىٍ، ومضاربين محترفين، وحيتان عملة، ومتعاملين يملكون خبرة طويلة في اصطياد الفوارق السعرية، بينما تُترك هي بلا حماية كافية ولا أدوات تدخل فعالة؟

إن عدم توفير الحماية الكافية للجنيه السوداني من جانب الدولة والقائمين على إدارة الاقتصاد، وترك المجال واسعاً للطفيلية والمضاربين والمتطفلين، يمثل واحدة من أخطر كوارث الإدارة الاقتصادية في السودان.

ثم لماذا كل هذا البكاء والنحيب بعد وقوع الكارثة؟

الأمر واضح وضوح الشمس:

أخطاء بشرية، وضعف في الجودة والأداء، ومحاصصات مستمرة، وقرارات اقتصادية تدفع ثمنها أمة بأكملها!

فحين تكون القرارات الاقتصادية مرتبطة بمصير أكثر من خمسين مليون إنسان، فإن الخطأ لا يبقى خطأً إدارياً داخل مكتب، وإنما يتحول إلى غلاء في الأسواق، وتآكل في الدخول، وانهيار في القوة الشرائية، وضياع في مدخرات الناس، واتساع في دائرة الفقر.

يا سادة…

الجنيه السوداني ليس فأر تجارب!

وليس من الحكمة أن نلقي به في المحيط وننتظر لنرى: هل سيطفو أم سيغرق؟

لقد أثبتت التجربة أن الجنيه لم يكن بحاجة إلى محيط حتى يغرق.

لقد غرق في شبر ماء!

فعودوا إلى جادة الطريق، وأعيدوا للجنيه السوداني الحماية التي يستحقها كرمز من رموز السيادة الوطنية، وأعيدوا للدولة دورها الرقابي الحقيقي.

وحاصروا السوق الموازي بسياسات اقتصادية وقوانين صارمة، لا بالتصريحات وحدها.

واضربوا منابع المضاربة والطفيلية الاقتصادية بالمناشير التي تُغلق النوافذ، لا بالمراوح التي تحرك الهواء! ولا بنصائح السماسرة اصحاب المصالح …!

فالاقتصاد لا يُدار بالتمنيات، والعملات لا تحمي نفسها بنفسها، والسوق لا يعرف الرحمة مع من يتركه بلا رقابة.

وأخيراً…

إذا كان قرار التعويم قد أُريد له أن يكون إنقاذاً للجنيه السوداني، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو:

من الذي أنقذ الجنيه من الغرق؟

والإجابة المؤلمة حتى الآن:

لا أحد… فقد وصل الغريق إلى الشاطئ وهو غريق!

وهذه هي حكاية الجنيه السوداني بعد التعويم:

أُرسل إلى البحر ليتعلم السباحة…
فعاد إلينا غريقاً،
بعد أن غرق في شبر ماء!!
نسأل الله أن يردنا إليه ردا جميلا .. ويعين البلاد والعباد على من يُصلحها ويعلم علم اليقين على أن الجنيه السودانى يحتاج الى توفير الحماية عبر القوات الاقتصادية الخاصة التى تميز ما يصلح حال الناس ومايصلح حال الطفيلية و المتطفلين ..! .
.( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )

تقديم /
عبدالمنعم على التوم
9 سبتمبر 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى