مقالات وكتاب

الضفة الأخرى | محمد الحاج | تجديد الخطاب الصوفي (2)

صوت الشارع

مقالات وكتاب

الضفة الأخرى | محمد الحاج | تجديد الخطاب الصوفي (2)

محمد الحاج ✍️

استكمالاً لما طرحته في المقال السابق، الذي وجد استحساناً من البعض وسخطاً من آخرين ، كانت اجمل شهادة و اكبر مصدر فخر بالنسبة لي ، تلك التي جاءت من الخليفة الدكتور الشيخ إبراهيم الشيخ البدوي ، وهي شهادة اعتز بها كثيراً ، لانها دفعتني في مواصلة التنقيب عن فكرة التجديد في الخطاب الصوفي…

والفكرة ببساطة لا تقوم على هدم التصوف، ولا التقليل من شأنه ومكانته الاجتماعية والتاريخية ، بل بالعكس تماماً هي محاولة لإعادة النظر في بعض الممارسات والخطابات التي التصقت به مع مرور الزمن ، حتى أصبح من الضروري أن نفرق بين التصوف بوصفه قيمة روحية وأخلاقية ، وبين بعض الممارسات التي قد تنسب إليه وهي في حقيقتها بعيدةً عن جوهره…

ولعل الأمر يشبه النار التي تفصل الذهب عن الشوائب الاخرى ، فهناك الكثير والمثير عن الشوائب و الزوائد الأخرى التي تدعي الانتماء والولاء للصوفية ،والصوفية منهم براء براءة الذئب من دم يوسف….

فليس كل من ادعى التصوف صوفياً، وليس كل من لبس (المرقوعه) صوفي ، لأن الصوفي هو من زهد الدنيا وجاهد النفس والهوى وتقرب إلى الله بالقول والعمل ، وينطبق الأمر كذلك على بعض المشايخ لأن الشيخ الصوفي في معناه الحقيقي هو العابد ، الزاهد التقي الورع، أشعث أغبر لو أقسم على الله لابره…

اما التجديد الذي أعنيه ليس تغير الثوابت والمبادئ ، ولا إعادة صياغة الدين وفق اهواء العصر، وإنما تجديد أدوات الخطاب ووسائل التربية وأساليب مخاطبة الإنسان، نحتاج إلى خطاب يقرب المسافة ويردم الهوة بين رسالة التصوف السامية ومبادئها العليا ، وبين ما يعرض الآن من رسائل عبر وسائل خسيسة ، تقذف وتطعن في منهج التصوف الحقيقي، حتى تكتمل الرؤية لشباب اليوم ، ووحدهم من يقرر بين الغث والسمين ….

شباب اليوم في أشد الحاجة الى خطاب من شيخ علامه بليغ مفوه ، بلغة يفهمونها ،يناقش معهم الشبهة بالحجة ،والسؤال بالعلم ،يجلس في مجالسهم يتقرب إليهم ،يعرف ما الاسئلة التي تؤرقهم ،وما الذي يشغلهم حتى يرشدهم إلى طريق الحق والصواب…..

لا نريد تصوف يقدس الشيخ قداسة لا متناهية ، لأن في هذه القداسة يمنع السؤال ويعطل العقل عن التفكير والتمييز بين ماهو ثابت وماهو متغير ، تعطيل العقل يعني موت القلب والروح، فما القيمة هنا إذا مات القلب وتعطل العقل….
بل ربما يكون الشيخ الذي يفتح باب السؤال أمام مريديه، ويعلمهم كيف يبحثون عن الدليل، وكيف يميزون بين الصواب والخطأ، أقرب إلى جوهر التربية الصوفية من الشيخ الذي يغلق أمامهم أبواب التفكير…..
أذكر قبل اعوام قد خلت، قام احدى المشايخ بالتحدث في مجلس عزاء عن فضائل العلم واخذ العلم من لدن شيخ عالم افضل من الجهل والتبعية العمياء، وخلال حديثه ذكر قولاً مفاده ان خدمة الشيخ الذي تأخذ منه العلم ساعة واحدة تعادل عبادة الله اثني عشر عاماً، استوقفني هذا الكلام ليس اعتراضاً على مكانة الشيخ ، أو فضل خدمته، وإنما لأن السؤال هنا مشروع، من أين جاءت هذه الموازنة، وهل يمكن أن تصبح خدمة الإنسان لشيخه بديلاً عن العبادة…..؟

لعمرك ما سمعنا بهذا القول في الآولين ولا الآخرين ،انبرى له شاب من الحضور معقباً للشيخ عن حديثه، فقد كان السؤال عقلاني ومنطقي جداً لأن الغاية القصوى من خلق الإنسان هي عبادة الله سبحانه وتعالى، آثر الشيخ على نفسه ان لا يجيب على هذا السؤال ، وجلس حيث انتهى به المجلس، قام بعض المريدين بتوبيخ ذلك الشاب بأنه(قليل أدب و متطاول) وحدث الهرج والمرج وكادت الفاجعة أن تمتد إلى المضاربة…

والسؤال لا يعني قلة الأدب….؟
والنقاش لا يعني الخروج عن الطريق…؟
والاختلاف لا يعني الخصومة….؟

جيل اليوم ليس كجيل الأمس ، نحن نعيش اليوم في عالم مفتوح ، بضغطة زر واحدة يستطيع الشاب الجمع بين مئات الآراء والمذاهب والأفكار ، لنجعل من هذا العالم المفتوح بوابة عبور إلى تصحيح المسار حيث الاعتدال و الوسطية ، ومعرفة ما يمكن أن يبقى وما يمكن أن يتغير وما يمكن أن يصحح، لذلك لا يمكن أن نواجه هذا الواقع بخطاب مغلق منعزل على ذاته….

وفي النهاية التصوف الحقيقي لا يحتاج إلى كثير ، يكفي أن يظهر في إنسان صادق، وقلب متواضع، ولسان طيب رطب بذكر الله، ويد تمتد لمساعدة الآخرين، ونفس تجاهد هواها، وعقل يبحث عن العلم، و روح تتعلق بالله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك هو التجديد الذي أعنيه..
فالتجديد الحقيقي ليس أن نغير الطريق ، بل أن نزيل عنه ما ليس منه ليبقى صافياً كما بدأ، وسنعيدها سيرتها الأولى….

ولعل افضل ما نختم به دوماً قول العارف بالله طيب الله ثراه الشيخ المكاشفي
(تجمعنا الطاعة وتفرقنا المعصية)

 

قولو مرحبا يا الجيلي وللحديث بقية…….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى