بكاء على وطني المحبوب | عماد الدين السنهوري | اليوم النوبي العالمي… ذاكرة لا تغيب وهوية تضيء النيل

صوت الشارع
مقالات وكتاب
بكاء على وطني المحبوب | عماد الدين السنهوري | اليوم النوبي العالمي… ذاكرة لا تغيب وهوية تضيء النيل
في السابع من يوليو من كل عام، يحتفي النوبيون في السودان ومصر ومختلف أنحاء العالم بـ **اليوم النوبي العالمي**؛ يومٍ لا يمر بوصفه مناسبة ثقافية عابرة، بل باعتباره وقفة وفاء لتاريخ عريق، وحضارة ضاربة في عمق الأرض والإنسان والذاكرة. وقد اختير يوم 7/7 لما يحمله الرقم سبعة من حضور رمزي في عدد من العادات والتقاليد النوبية، كما ارتبطت فكرة الاحتفاء بالمناسبة منذ عام 2004 بالسعي إلى إبراز تاريخ النوبة وتراثها وهويتها.
النوبة ليست مجرد منطقة جغرافية على ضفاف النيل، بل هي فضاء حضاري ممتد بين شمال السودان وجنوب مصر، حمل عبر القرون لغاتٍ وأغنياتٍ وعمارةً وزخارفَ وعاداتٍ وقيمًا إنسانية جعلت من الإنسان النوبي رمزًا للصبر والجمال والارتباط بالأرض. وقد ظل النيل في الوجدان النوبي أكثر من نهر؛ كان طريق حياة، وذاكرة جماعية، ومصدرًا للغناء والحكاية والعمل والفرح.
يمثل اليوم النوبي العالمي دعوة مفتوحة لحماية اللغة النوبية من النسيان، وصون التراث الشعبي من الذوبان، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ أجدادهم بعيدًا عن التهميش والتبسيط. فاللغة ليست كلمات فقط، بل وعاء للذاكرة، وحين تضيع لغة يضيع معها جزء من روح الجماعة وملامحها ورؤيتها للعالم.
كما أن هذا اليوم هو مناسبة للاعتراف بإسهام النوبيين في بناء المجتمعات التي عاشوا فيها، في السودان ومصر والمهجر. فقد حمل النوبيون معهم أينما ذهبوا قيم العمل، والنظافة، والكرم، واحترام الكبير، والمحافظة على الروابط الأسرية، والاعتزاز بالهوية دون عداء للآخر. هذه القيم جعلت الثقافة النوبية نموذجًا للتنوع الجميل الذي يضيف إلى الأوطان ولا ينتقص منها.
ولأن النوبة عرفت عبر تاريخها تجارب التهجير وفقدان الأرض والقرى القديمة، فإن الاحتفاء بهذا اليوم يحمل أيضًا بعدًا إنسانيًا وحقوقيًا. إنه تذكير بأن التنمية لا ينبغي أن تتم على حساب الإنسان والذاكرة، وأن أي مشروع وطني حقيقي يجب أن يصون حقوق المجتمعات المحلية، ويحترم ثقافاتها، ويضمن مشاركتها في القرار المتعلق بأرضها ومستقبلها.
في السودان، يكتسب اليوم النوبي العالمي معنى أعمق في ظل ما يتهدد التراث والذاكرة الوطنية من مخاطر الحرب والنهب والدمار. فحماية الآثار والمتاحف واللغات المحلية والموروث الشعبي ليست ترفًا ثقافيًا، بل واجب وطني يحفظ شخصية السودان ويصون تعدده. وقد حذرت تقارير حديثة من تعرض مؤسسات ومجموعات أثرية سودانية للنهب والتدمير خلال الحرب، بما يجعل حفظ التراث جزءًا من معركة بقاء الهوية الوطنية.
إن الاحتفال باليوم النوبي العالمي ليس احتفالًا بلون أو زي أو أغنية فحسب، رغم جمال كل ذلك، بل هو احتفال بفكرة أوسع: أن التنوع مصدر قوة، وأن الوطن الذي يحترم ثقافاته المتعددة يصبح أكثر قدرة على البناء والسلام. فالنوبة تعلمنا أن الجذور لا تعني الانغلاق، وأن الاعتزاز بالهوية لا يتناقض مع الانتماء الوطني الجامع.
وفي هذا اليوم، نحتاج إلى تحويل الاحتفال إلى فعل: تعليم اللغة للأجيال، توثيق الأغاني والحكايات، دعم المبادرات الثقافية النوبية، إدراج التاريخ النوبي في المناهج بصورة عادلة، حماية المواقع الأثرية، وفتح مساحات إعلامية تعكس جمال هذا المكون الأصيل من مكونات السودان ووادي النيل.
اليوم النوبي العالمي هو رسالة محبة واعتزاز ووفاء. رسالة تقول إن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها لا تنكسر، وإن الثقافات التي تُروى للأبناء تظل حية مهما تبدلت الأماكن وتغيرت الأزمنة. فكل عام والنوبة حاضرة في القلب، وكل عام والهوية النوبية تضيء ضفاف النيل بألوانها، وأغانيها، وكرامتها، وإنسانها الجميل.



