دكينيات | دكتور : عصام دكين | قراءة سابعة للفترة الانتقالية حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية – (تهميش الشعب وسرقة الثورة)

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور : عصام دكين | قراءة سابعة للفترة الانتقالية حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية – (تهميش الشعب وسرقة الثورة)
دكينيات(1894) 2026/8/22م
دكتور عصام دكين.
* فشلت حكومة الفترة الانتقالية بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك بعد أكثر من عامين من الحكم لأن حكومة الفترة الانتقالية لم تستصحب معها الذين صنعوا الثورة، وبالتالي الشعب السوداني كان قادرا على صنع تجربته الثالثة الانتقالية ولكن تم تهميشه وسرقة ثورته.
* للشعب السوداني نموذجين من التجربة الانتقالية في ستينيات وثمانينيات القرن الماضي، لم يترك حمدوك واليسار العلماني للشعب السوداني الاقتداء بالتجربتين السابقتين والوصول إلى الانتقال الديمقراطي بدا، لكن حمدوك واليسار العلماني الفاشلين ساقوا الشعب السوداني بالخلاء ( السواقة بالخلا) مصطلح انتجته الثورة. كما أن عملية الانتقال إلى الديمقراطية تحدث في وجود فراغ دستوري لكن دكتور حمدوك واليسار العلماني الفاشلين تعاملوا بمصطلح غير دستوري انتهازي وهو الشرعية الثورية فهو كذب وتدليس وتغبيش للشعب السوداني فحكموا بفترة انتقالية طويلة لم تحدث من قبل لا في السودان أو في العالم، كل الفترات الانتقالية في السودان والعالم لم تتجاوز العامين وفي نفس الوقت رغم طول الفترة الإنتقالية لا وجود لبرلمان يراقب ولا محكمة دستورية ولا قضاء مستقل ولا نائب عام مستقل يتم اختيارهم وفق الطرق المعروفة( نادي المستشارين ونادي القضاة). عادة تدور تفاعلات الانتقال الديمقراطي في سياق اجتماعي وثقافي محدد يشمل النظام الاجتماعي والاقتصادي والثقافة السياسية السائدة إذا كانت تمثل بيئة محفزة للانتقال الديمقراطي مثل وجود تقاليد برلمانية ومؤسسات حكومية لها قواعد مستقرة توفر درجة من الحريات العامة وتوفر قاعدة صناعية متطورة ووجود طبقة وسطى عريضة من الشعب وتوفر بيئة اقليمية ودولية مؤتية كل هذة العوامل الداعمة للانتقال الديمقراطي كانت متوفر في السودان عندما أتت الحكومة الانتقالية بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك واليسار العلماني لكن حقدهم على كل ما أتت به الإنقاذ كانوا يريدون إزالته مثل ما فعل اليسار في أبريل ١٩٨٥م محي وازالة آثار مايو، إن اليسار العلماني الفاشل لم يتطور ولم يتعظ من الماضي فأرادوا بعد ثورة ديسمبر القضاء على آثار الانقاذ وهي إنجازات لا تخطئها العين ولكنهم رفعوا شعار التفكيك صامولة صامولة والفرتيق طوبة طوبة. فغياب هذه العوامل كان أمرا معوقا للانتقال الديمقراطي في السودان.
هنالك أيضا عوامل أخرى مهمة تعمل و تساعد في عملية الانتقال الديمقراطي في السودان وهى استقرار مفهوم الدولة الذي فشلت فيه حكومة الفترة الانتقالية واليسار العلماني باعتبار كل ماهو موجود يخص النظام السابق وليس من مؤسسات الدولة مما اسقط مفهوم الدولة لدى الكثيرين من أبناء الشعب السوداني، وكذلك القبول بشرعية الحكومة الانتقالية فأكثر حكومة وجدت قبولا من الشعب هى حكومة الدكتور عبدالله حمدوك الانتقالية في تاريخ السودان وقال البروفيسور غندور رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول على قناة الحرة لأول ظهور له قال نحن معارضة مساندة وكان هذا المصطلح (مساند) لأول مرة يظهر في تاريخ المعارضة السودانية فكان فهم كبير يؤكد وطنية الرجل وتوجه حزبه ونظرته للدولة.
كذلك استمرار مناخ الجبهة الوطنية أو الكتلة التاريخية في توحد لكن للأسف أنتهت قوى إعلان الحرية والتغيير إلى عصابة الأربعة (مصطلح التوم هجو).
* كذلك من عوامل عدم نجاح الانتقال الديمقراطي هو إدراج الفاشلين في التغيير في الفترة الانتقالية، لكن للأسف تم أبعادهم واصبحوا الآن في خانة المعارضة لحكومة الفترة الانتقالية وهذا فشل للثورة. كذلك فشل القيادات السياسية في قوى إعلان الحرية والتغيير على بناء التحالفات الداعمة للفترة الانتقالية لأن نجاح الفترة الانتقالية يقودها إلى عملية الانتقال الديمقراطي بسهولة.
* لم تعمل حكومة الفترة الانتقالية عبر لجنة إزالة التمكين على التوازن بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي مما أدى إلى تشوه كبير في تكوينات الدولة.
* إن استقرار مفهوم الدولة يزيد من فرص نجاح الفترة الانتقالية ويمهد للانتقال الديمقراطي.
* غلبة انتماء المشاعر الوطنية لشعب السودان وخصوصا الاسلاميين أصبحوا متماسكين رغم توجيه الضربات لهم وطردوا من وظائفهم وفككت قنواتهم الاتصالية وهذا غير متوفر في قحت.
* عدم التوافق بين مكونات القوى السياسية قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية فتشتت وتبعثرت، وهى الحاضنة السياسية لحكومة حمدوك.
* إن الاستقرار هو سمه الدولة و يقصر الخلاف في شكل نظام الحكم ومضمون السياسات العامة.
* هنالك شكوك في تكوين أسس الدولة السودانية و مفهوم الدولة منذ الاستقلال في يناير ١٩٥٦م مما جعل هنالك مطالب بالانفصال عنها أو إعادة النظر في حدودها وظهور كيانات لأول مرة كيان الشمال الذي كان ينادي بحقوقه.
* عملية الانتقال الديمقراطي هى الأكثر صعوبة لأن الديمقراطية هي مبدأ سياسة الشعب فبالتالي لا بد من وضوح حدود الشعب ومكوناته الواضحة.
* الديمقراطية تضمن الحقوق الأساسية والاجتماعية للمواطنين ولكن من الضرورة معرفة من هولاء المواطنين الذى ينبغي أن يتمتعوا بالحقوق الديمقراطية في إطار جغرافي محدد. وجود تقاليد الدولة والاعتراف بحق مؤسساتها في تطبيق القانون واتباع العقاب على مخالفيها وهو من الشروط المهمة لعملية الانتقال الديمقراطي وسرعته.
* الدولة هي التي تفرض الالتزام بالقانون وقواعده ومن دون حكم القانون لن تكون هنالك ديمقراطية أو أى نظام آخر. مما جعل الانتقال الديمقراطي في السودان في مهب الريح في ظل حكومة الفترة الانتقالية.
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.
* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
————————————-
سلسلة دكينيات تقدم رؤية تحليلة من منظور الكاتب تعبر عن قراءته لمسار الاحداث وتطوراتها


