دكينيات | دكتور: عصام دكين | قراءة سادسة للفترة الانتقالية حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية – (عصابة الأربعة)

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور: عصام دكين | قراءة سادسة للفترة الانتقالية حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية – (عصابة الأربعة)
دكينيات(1892) أغسطس2026م.
دكتور عصام دكين
عادة ما يكون أول القرارات التي تصدرها الحكومة الانتقالية بعد سقوط النظام السلطوي قانون حرية تكوين الأحزاب ورفع القيود عن إشهارها ولكن وجدت حكومة الفترة الانتقالية أكثر من (120) مائة وعشرين حزب سياسي يعمل في الساحه السياسية في عهد الإنقاذ ولها مجلس أحزاب يعمل على تسجيل الأحزاب وقانون ينظم عمل تلك الأحزاب مما ينفي صفة السلطوية المطلقة على نظام الإنقاذ.
الفترة الأولى من سقوط الأنظمة السلطوية هو عادة يكون هنالك انفجارا في عدد الأحزاب التي تنشأ أيضا حتى الآن لم يظهر حزب جديد أوحزب قديم أدعى أنه كان محظورا عن العمل السياسي بل عصابة الأربعة التي كانت حاكمة، كانت تمارس نشاطها وتقيم مؤتمراتها علنا في دارها أو القاعات العامة، حزب البعث العربي الاشتراكي وحزب المؤتمر السوداني وحزب الأمة القومي وأحزاب الاتحادي الديمقراطي العديدة، بل كان يقيم الحزب الشيوعي مؤتمراته في قاعة الصداقة بحرية كاملة مما ينفي أيضا صفة السلطوية والديكتاتورية المطلقة على نظام الإنقاذ/المؤتمر الوطني.
فاز ثلاثة أحزاب كبيرة ( حزب الأمة وحزب الاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية القومية) فى أول انتخابات أجريت بعد سقوط نظام نميري، يا ترى كم عدد الأحزاب التي ستفوز في الانتخابات القادمة بعد سقوط نظام الإنقاذ؟. ولكن مع استمرار العملية الديمقراطية واستقرارها فإن النظام الحزبي المستقر عادة ما يضم ما بين حزبين أو عشرة أحزاب ذات ثقل ووزن جماهيرى. لكي تمارس الأحزاب دورها في الانتقال الديمقراطي ينبغي أن تتحلى في داخلها بالديمقراطية وأن تطبق شغل المناصب القيادية بالديمقراطية ولمدة محددة ومسألة قادة الحزب أمام اعضائه واحترام حق الأعضاء في التعبير عن ارائهم وتشجيع مشاركتهم في وضع سياسات الحزب.
إن الأحزاب التي لا تمارس الديمقراطية ولا تحترمها في شئونها الداخلية من المرجح أنها لن تمارسها أو تحترمها بعد أن تفوز بالانتخابات وتتولى زمام الحكم.
الأحزاب السياسية هى الآلية الأهم للتحرك السياسي وإصدار القوانين وإذا لم تشرك في العملية السياسية يصبح المجال أمام التقدم محدودا، الآن أحزاب اليسار العلماني الحاكمة تريد الاستئثار بالسلطة ولا تريد أحزاب سياسية أخرى معارضة وإذا ظهر حزب ينتقد أو يطالب بمجلس للأحزاب أو قانون انتخابات أو مفوضية مستقله لإدارة الانتخابات التشريعية أو انتقاد يتهم قادته بتقويض النظام.
الأحزاب السياسية هي الفاعل الرئيس الذي يستطيع توفير الإطار المؤسساتي المطلوب لإقامة النظام الديمقراطي.
* كان الواقع يقول إن العلاقات بين العسكريين والمدنيين (قحت الحاكمة والمكونة من الحزب الجمهوري والبعث العربي الاشتراكي والمؤتمر السوداني وحزب الأمة القومي وتجمع الاتحادي الديمقراطي المعارض) غير واضحة وغير مفهومة لدى الشعب السودانى.
هل كانوا يريدون الديمقراطية أم متماهين مع العسكريين والحركات المسلحة التي كانت لا ترغب في الانتخابات.
* أغلب دول العالم يحكمها مدنيون لكن قوى إعلان الحرية والتغيير كانت منشغلة، الحزب الجمهوري مشغول بنشر أفكار مؤسسه محمود محمد طه وحزب البعث العربي مشغول بتصفية حساباته مع الإسلاميين والحزب الشيوعي مشغول بتمكين عضويته في مؤسسات الدولة وحزب الأمة القومي كان تائها.
* ظلت للجيوش دورا مؤثرا في الحياة السياسية ولها ثلاثة نماذج:
النموذج الأول:. السيطرة المباشرة للعسكريين على نظام الحكم وتقلدهم المناصب الرئاسية وهو ما يسمى بالنظم العسكرية والتي عادة ما تعقب انقلابات ولكن ما حدث في ١١ أبريل ٢٠١٩م ثورة انحاز لها الجيش وتولى فيها رئاسة المجلس السيادى لمدة واحد وعشرين شهرا أنتهت في شهر مايو ٢٠٢١م ولم يتسلم المدنين رئاسة المجلس السيادى للفترة الثانية ولم يذكروا مبرر لماذا لم يستلم المدنيين رئاسة المجلس السيادى كما تولى العسكريون وزارتي الدفاع والداخلية.
النموذج الثاني:. هو السيطرة الغير مباشرة ومظاهرها إكساب نظام الحكم مظهرا مدنيا بينما كان يمارس الجيش تأثيره بنحو غير مباشر ومن وراء ستار مثل اعتراضه على بعض السياسات العامة والاحتفاظ على استقلاله المادي والإداري بعيدا عن الرقابة البرلمانيه لذلك كان البرهان وحمدوك لا يريدون قيام مجلس تشريعي حتى لا يقوم بالمراقبة على أعمالهم.
النموذج الثالث:. هو السيطرة المدنية على الجيش وخضوعه للحكومة المنتخبة وهذا الوضع يكون في نظم الديمقراطيات المستقرة وهذا وضع صعب جدا أن يحدث في السودان في الوقت آنذاك في ظل وجود أكثر من ثمانين حركة مسلحة ومدنين متربصين بالقوات المسلحة ويريدون حلها وإعادة تكوينها.
* اختلف موقف الجيش السوداني في مرحلة سقوط نظام الإنقاذ ووقف مع الجيش مع الثورة وأيده مطالب الشعب السودانى.
* وقف الجيش في الحياد في تونس.
* تتأثر مواقف الجيش بعوامل عدة بعضها يتصل.
١/ بمدى شرعية النظام الحاكم.
٢/ علاقة القيادة العسكرية بالقيادة السياسية.
٣/علاقة الجيش بالوحدات العسكرية والأمنية الأخرى الموجودة في الدولة وجهاز الأمن والشرطة.
٤/عقيدة الجيش.
٥/ التقاليد والثقافة العسكرية.
٦/علاقة الجيش بالمجتمع.
٧/ هل يجند الجيش جنوده على أساس عرقي اثني أم على قاعدة التجنيد الإجباري للجميع.
٨/ مدى التوافق بين قادة الجيش.
* تقدم النظم الجديدة حوافز للعسكريين للانسحاب من الحياة السياسية مثل.
١/ ضمان الخروج الأمن للقيادات العسكرية التي تمارس الحكم دون ملاحقة سياسية أو قضائية لكن المشير عمر حسن أحمد البشير وزملائه العسكريين لم يطالبوا بالخروج الآمن قبل التغيير فارتضوا أن يكونوا فى الداخل ومقابلة المحاكمات والسجون.
٢/الحفاظ على الأوضاع الاقتصادية الخاصة بالجيش، فعلا الجيش حافظ على المؤسسات الاقتصادية رغم المحاولات بتصفيتها وضمها لوزارة المالية وكلها باءت بالفشل.
٣/ تكون للسلطة المنتخبة اختصاصات فرض الرقابة القضائية وليس البرلمانية على الأنشطة الاقتصادية للجيش.
٤/ إقرار نظم الترقيات وتعين القيادات العليا وصولا للسيطرة المدنية علي القوات المسلحة التى تتمثل في تعين مدني وزيرا للدفاع وهذا ما فشلت فيه الثورة وقال فتحي الضو نحن أخطأنا عندما فاوضنا الجيش.
ه/ أن يحاكم الجنود والضباط في غير الأمور العسكرية أمام المحاكم المدنية.
انسحاب العسكريين انسحاب تدريجي بحيث لا يمثل نوع من الانتقام أو الرغبه في التقليل من شأن دور الجيش أمام الشعب لكن هل انسحب الجيش بعد أن علم أن مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير أحزاب لا قاعدة لها ما عداء حزب الأمة القومي الذى لا خوف منه.
* إذا سيطر المدنين على الجيش توفر لهم درجة عالية من التماسك التنظيمي والتوافق السياسي على مستوي القيادة المدنية.
* اذا سيطر المدنين على الجيش توفرت لهم شرعية دستورية انتخابية واضحة للقوى السياسية المدنية.
* كانت لا توجد تهديدات خارجية أو تدخلات أجنبية تمس الأمن القومي مما يؤدي لإنهاء الشراكة قريبا بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكرى.
* فإن أكبر خطأ وقعت فيه قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية أنها فاوضت الجيش كما ذكر فتحي الضو كان عليهم تشكيل حكومتهم من داخل الاعتصام كما طلب منهم الراحل علي محمود حسنين مما أضاع فرصة على البلاد للانتقال الديمقراطي.
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.
* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم رؤية تحليلة من منظور الكاتب تعبر عن قراءته لمسار الاحداث وتطوراتهاقراءة سادسة للفترة الانتقالية حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية.
(عصابة الأربعة)
دكينيات(1885) أغسطس2026م.
دكتور عصام دكين
عادة ما يكون أول القرارات التي تصدرها الحكومة الانتقالية بعد سقوط النظام السلطوي قانون حرية تكوين الأحزاب ورفع القيود عن إشهارها ولكن وجدت حكومة الفترة الانتقالية أكثر من (120) مائة وعشرين حزب سياسي يعمل في الساحه السياسية في عهد الإنقاذ ولها مجلس أحزاب يعمل على تسجيل الأحزاب وقانون ينظم عمل تلك الأحزاب مما ينفي صفة السلطوية المطلقة على نظام الإنقاذ.
الفترة الأولى من سقوط الأنظمة السلطوية هو عادة يكون هنالك انفجارا في عدد الأحزاب التي تنشأ أيضا حتى الآن لم يظهر حزب جديد أوحزب قديم أدعى أنه كان محظورا عن العمل السياسي بل عصابة الأربعة التي كانت حاكمة، كانت تمارس نشاطها وتقيم مؤتمراتها علنا في دارها أو القاعات العامة، حزب البعث العربي الاشتراكي وحزب المؤتمر السوداني وحزب الأمة القومي وأحزاب الاتحادي الديمقراطي العديدة، بل كان يقيم الحزب الشيوعي مؤتمراته في قاعة الصداقة بحرية كاملة مما ينفي أيضا صفة السلطوية والديكتاتورية المطلقة على نظام الإنقاذ/المؤتمر الوطني.
فاز ثلاثة أحزاب كبيرة ( حزب الأمة وحزب الاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية القومية) فى أول انتخابات أجريت بعد سقوط نظام نميري، يا ترى كم عدد الأحزاب التي ستفوز في الانتخابات القادمة بعد سقوط نظام الإنقاذ؟. ولكن مع استمرار العملية الديمقراطية واستقرارها فإن النظام الحزبي المستقر عادة ما يضم ما بين حزبين أو عشرة أحزاب ذات ثقل ووزن جماهيرى. لكي تمارس الأحزاب دورها في الانتقال الديمقراطي ينبغي أن تتحلى في داخلها بالديمقراطية وأن تطبق شغل المناصب القيادية بالديمقراطية ولمدة محددة ومسألة قادة الحزب أمام اعضائه واحترام حق الأعضاء في التعبير عن ارائهم وتشجيع مشاركتهم في وضع سياسات الحزب.
إن الأحزاب التي لا تمارس الديمقراطية ولا تحترمها في شئونها الداخلية من المرجح أنها لن تمارسها أو تحترمها بعد أن تفوز بالانتخابات وتتولى زمام الحكم.
الأحزاب السياسية هى الآلية الأهم للتحرك السياسي وإصدار القوانين وإذا لم تشرك في العملية السياسية يصبح المجال أمام التقدم محدودا، الآن أحزاب اليسار العلماني الحاكمة تريد الاستئثار بالسلطة ولا تريد أحزاب سياسية أخرى معارضة وإذا ظهر حزب ينتقد أو يطالب بمجلس للأحزاب أو قانون انتخابات أو مفوضية مستقله لإدارة الانتخابات التشريعية أو انتقاد يتهم قادته بتقويض النظام.
الأحزاب السياسية هي الفاعل الرئيس الذي يستطيع توفير الإطار المؤسساتي المطلوب لإقامة النظام الديمقراطي.
* كان الواقع يقول إن العلاقات بين العسكريين والمدنيين (قحت الحاكمة والمكونة من الحزب الجمهوري والبعث العربي الاشتراكي والمؤتمر السوداني وحزب الأمة القومي وتجمع الاتحادي الديمقراطي المعارض) غير واضحة وغير مفهومة لدى الشعب السودانى.
هل كانوا يريدون الديمقراطية أم متماهين مع العسكريين والحركات المسلحة التي كانت لا ترغب في الانتخابات.
* أغلب دول العالم يحكمها مدنيون لكن قوى إعلان الحرية والتغيير كانت منشغلة، الحزب الجمهوري مشغول بنشر أفكار مؤسسه محمود محمد طه وحزب البعث العربي مشغول بتصفية حساباته مع الإسلاميين والحزب الشيوعي مشغول بتمكين عضويته في مؤسسات الدولة وحزب الأمة القومي كان تائها.
* ظلت للجيوش دورا مؤثرا في الحياة السياسية ولها ثلاثة نماذج:
النموذج الأول:. السيطرة المباشرة للعسكريين على نظام الحكم وتقلدهم المناصب الرئاسية وهو ما يسمى بالنظم العسكرية والتي عادة ما تعقب انقلابات ولكن ما حدث في ١١ أبريل ٢٠١٩م ثورة انحاز لها الجيش وتولى فيها رئاسة المجلس السيادى لمدة واحد وعشرين شهرا أنتهت في شهر مايو ٢٠٢١م ولم يتسلم المدنين رئاسة المجلس السيادى للفترة الثانية ولم يذكروا مبرر لماذا لم يستلم المدنيين رئاسة المجلس السيادى كما تولى العسكريون وزارتي الدفاع والداخلية.
النموذج الثاني:. هو السيطرة الغير مباشرة ومظاهرها إكساب نظام الحكم مظهرا مدنيا بينما كان يمارس الجيش تأثيره بنحو غير مباشر ومن وراء ستار مثل اعتراضه على بعض السياسات العامة والاحتفاظ على استقلاله المادي والإداري بعيدا عن الرقابة البرلمانيه لذلك كان البرهان وحمدوك لا يريدون قيام مجلس تشريعي حتى لا يقوم بالمراقبة على أعمالهم.
النموذج الثالث:. هو السيطرة المدنية على الجيش وخضوعه للحكومة المنتخبة وهذا الوضع يكون في نظم الديمقراطيات المستقرة وهذا وضع صعب جدا أن يحدث في السودان في الوقت آنذاك في ظل وجود أكثر من ثمانين حركة مسلحة ومدنين متربصين بالقوات المسلحة ويريدون حلها وإعادة تكوينها.
* اختلف موقف الجيش السوداني في مرحلة سقوط نظام الإنقاذ ووقف مع الجيش مع الثورة وأيده مطالب الشعب السودانى.
* وقف الجيش في الحياد في تونس.
* تتأثر مواقف الجيش بعوامل عدة بعضها يتصل.
١/ بمدى شرعية النظام الحاكم.
٢/ علاقة القيادة العسكرية بالقيادة السياسية.
٣/علاقة الجيش بالوحدات العسكرية والأمنية الأخرى الموجودة في الدولة وجهاز الأمن والشرطة.
٤/عقيدة الجيش.
٥/ التقاليد والثقافة العسكرية.
٦/علاقة الجيش بالمجتمع.
٧/ هل يجند الجيش جنوده على أساس عرقي اثني أم على قاعدة التجنيد الإجباري للجميع.
٨/ مدى التوافق بين قادة الجيش.
* تقدم النظم الجديدة حوافز للعسكريين للانسحاب من الحياة السياسية مثل.
١/ ضمان الخروج الأمن للقيادات العسكرية التي تمارس الحكم دون ملاحقة سياسية أو قضائية لكن المشير عمر حسن أحمد البشير وزملائه العسكريين لم يطالبوا بالخروج الآمن قبل التغيير فارتضوا أن يكونوا فى الداخل ومقابلة المحاكمات والسجون.
٢/الحفاظ على الأوضاع الاقتصادية الخاصة بالجيش، فعلا الجيش حافظ على المؤسسات الاقتصادية رغم المحاولات بتصفيتها وضمها لوزارة المالية وكلها باءت بالفشل.
٣/ تكون للسلطة المنتخبة اختصاصات فرض الرقابة القضائية وليس البرلمانية على الأنشطة الاقتصادية للجيش.
٤/ إقرار نظم الترقيات وتعين القيادات العليا وصولا للسيطرة المدنية علي القوات المسلحة التى تتمثل في تعين مدني وزيرا للدفاع وهذا ما فشلت فيه الثورة وقال فتحي الضو نحن أخطأنا عندما فاوضنا الجيش.
ه/ أن يحاكم الجنود والضباط في غير الأمور العسكرية أمام المحاكم المدنية.
انسحاب العسكريين انسحاب تدريجي بحيث لا يمثل نوع من الانتقام أو الرغبه في التقليل من شأن دور الجيش أمام الشعب لكن هل انسحب الجيش بعد أن علم أن مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير أحزاب لا قاعدة لها ما عداء حزب الأمة القومي الذى لا خوف منه.
* إذا سيطر المدنين على الجيش توفر لهم درجة عالية من التماسك التنظيمي والتوافق السياسي على مستوي القيادة المدنية.
* اذا سيطر المدنين على الجيش توفرت لهم شرعية دستورية انتخابية واضحة للقوى السياسية المدنية.
* كانت لا توجد تهديدات خارجية أو تدخلات أجنبية تمس الأمن القومي مما يؤدي لإنهاء الشراكة قريبا بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكرى.
* فإن أكبر خطأ وقعت فيه قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية أنها فاوضت الجيش كما ذكر فتحي الضو كان عليهم تشكيل حكومتهم من داخل الاعتصام كما طلب منهم الراحل علي محمود حسنين مما أضاع فرصة على البلاد للانتقال الديمقراطي.
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.
* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم رؤية تحليلة من منظور الكاتب تعبر عن قراءته لمسار الاحداث وتطوراتها


