دكينيات | دكتور : عصام دكين | قراءة رابعة للفترة الانتقالية حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية.

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور : عصام دكين | قراءة رابعة للفترة الانتقالية حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية.
(الغبن السياسي ورغبة التشفى من قادة نظام الانقاذ)
دكينيات(1885)2026/8/19م.
دكتور عصام دكين.
بعد سقوط نظام الإنقاذ كنا نتوقع ومتأكدين ستبدأ مرحلة جديدة في السودان مختلفة تماما عن فترة نظام الإنقاذ بإنشاء نظام ديمقراطي يحترم الحريات والحقوق العامة يتضمنها دستور مرتبط بمفهوم المواطنة وحقوق الانسان دستور يعمل ويشارك فيه الجميع مشاركة واسعة النطاق عبر المشاركة القاعدية على المستوى المحلي وهي أحد المبادئ التي ينهض عليها الدستور لكي يتطور ويتطور خلال الفترة الإنتقالية لدستور تشاركي حتى يصبح دستورا متفق عليه وينال صفة الديمومة ولكن الغبن السياسي ورغبة التشفي من قادة نظام الإنقاذ استعجل اليسار العلماني في كتابة وثيقة متخلفه سميت الوثيقة الدستورية الإنتقالية، كانت بلا قيمة ولا يهتم بها شركاء الفترة الإنتقالية إلا قوى إعلان الحرية والتغيير المشتتة والمتبعثرة والمحتارة بل سمحت للانتهازين من المتمردين الفاشلين في ميادين القتال أمام جنود السودان البواسل، بل أتت بهم القوى السياسية إلى ميدان الاعتصام أمام بوابات القيادة العامة ويتحدث المتمردين عن بطولاتهم الزائفة العسكرية أمام القوات المسلحة وعملية الزراع الطويل المتمردة التي اقتحمت امدرمان وردت مدحورة مهزومة. القوى السياسية قوى إعلان الحريه والتغيير التي طلبت الوقفة أمام القيادة العامة للقوات المسلحة لم يحترموها بعد أن إنحازت إليهم واقتلعت لهم رأس النظام السابق للأسف شتموا القوات المسلحة وقالوا معليش معليش ما عندنا جيش فرد عليهم الفريق صلاح عبد الخالق آنذاك إذا ما عندكم جيش كان تعتصموا أمام مستشفى الدايات.
* إن الدساتير في الديمقراطية والنظم الإنتقالية لا تشمل تفاصيل الحياة العامة لأنها ليست برامج حزبية ولكن الوثيقة الدستورية المعطوبة الحاكمة الآن هي الخازوق الذي جاءت مفصلة كقميص عامر إمعانا في التشفي من قبل اليسار العلماني في كل من انتسب إلى النظام السابق ولكنها جاءت عكس ما كان متوقعا، بل مكنت لكل الانتهازين في زمن الإنقاذ حيث أصبحوا حاكمين تماما في كل مفاصل الدولة المدنية والعسكرية والمجالس السيادية والوزراء وخسر الجميع اليسار العلماني والتيار الإسلامي العريض التغيير وأصبحت الدولة في يد أناس قرارهم في الخارج وتحول إلى دكتاتورية مدعومة دوليا وإقليميا.
* تصاغ الوثائق الانتقالية بما يتناسب مع واقع التعددية الحزبية وبرامج محدودة للحفاظ على تماسك الدولة لحين الوصول لعملية الانتقال الديمقراطي دون معارضة في الفترة الانتقالية.
* عادة تركز قواعد الدستور في النظم الديمقراطية الانتقالية على قواعد الممارسة الديمقراطية أى تنظيم الحياة السياسية من حيث القواعد والإجراءات المنظمة لها لكى تخرج للجماهير حتى يتعرف عليها، ويتقدم للانتخابات ما يناسب الجماهير من تلك القوى السياسية.
* تحرص الدساتير الديمقراطية الانتقالية على الديمقراطية وتتضمن خطوط عامة وليست ايدولوجية يسارية علمانية وتقسم السلطة بين العاصمة والمركز بحيث لا تركز السلطة في الهيئات الحكومية في العاصمة كما يعمل به في فترات الحكومات الإنتقالية بل التشريع (مجلس الوزراء والمجلس السيادي) أصبح يشرع بمزاجه وكانوا يتهربون من تكوين مجلس تشريعي انتقالي. ولا توجد مستويات حكم محلية ذات اختصاصات تمارس تحت الرقابة الشعبية التى أتت بها الثورة بل تم تغييبها تماما لمكونات الثورة الشعبية ولم توسع دائرة المشاركة أو إدراج النخب المحلية في العملية السياسية بل أتوا بآخرين لم يعيشوا مع الشعب السوداني ولم يكونوا يوما معه في الميادين التي تنادي بإسقاط نظام الإنقاذ بل ينطبق عليهم قول (قام من نومه ولقى كومه).
* كان وضع الدستور بعد سقوط نظام الانقاذ يتطلب الآتى:
١/ تشكيل لجنة من ممثلين لكل القوى الحزبية الموجودة دون استثناء وليس من الشيوعيون والبعثين والناصرين والجمهورين والمؤتمر السوداني والأقليات لصيانة الدستور.
٢/ عرض الدستور على الاستفتاء نهاية الصياغة.
٣/ لا بد من اختيار اللجنة أن يكون لها سمة التوافق لعمل أعضائه وليس للتنازل ولكن فشل حمدوك في تكوين لجنة التي تقوم بعمل المبادرة الوطنية التي أعلنها فاعتذر آنذاك منها حتى الشركاء معه في الحكم مثل مني أركو مناوي.
٤/ كان يتطلب من لجنة الدستور الترفع عن الخلافات الحزبية والأيديولوجية لأعضاء اللجنة وتكون لجنة قومية مستقلة ولكن لجنة حمدوك الجميع اعتذر منها ولم يبقى منها آنذاك إلا السيد برمة ناصر رئيس حزب الأمة القومي الذي فقد صوابه بعد رحيل الإمام الصادق المهدي فانكشف حزب الأمة القومي وضل طريقه وأصبح منقسم لعدة مجموعات.
٥/ لم تكن هنالك قواسم مشتركة لأعضاء اللجنة من أجل إقامة نظام ديمقراطي بل كانت لجنة يسارية علمانية رافضة للوجود الإسلامي ولا يجب أن تكون لجنة إسلاميه رافضه للحقوق المدنية لليسارين والعلمانين بل تقوم على حقوق المواطنة مع مراعاة الدين والأعراف والتقاليد السودانية.
٦/ كان لا بد من الاتفاق على وثيقة للمبادئ الدستورية قبل وضع الدستور وهى الإسلام والعرف والتقاليد مصادر للتشريع الدستور السوداني يتفق مع مكونات الشعب السوداني وليس الإعلان صراحة أبعاد الدين عن الحكم والدستور في السودان.
٧/ لقد تعذر تكوين اللجنة الدستورية مما تعذر وضع الدستور في السودان في البداية بسبب الاختلافات بين مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير والشطط كما يقول الحاج وراق للقوى السياسية والأحزاب العلمانية اليسارية المتشددة والأحزاب الدينية المتطرفة بشان مشروع الدستور الجديد.
٨/ في تقديرى إذا كان تم إدخال تعديلات في دستور ٢٠٠٥م الذي صدر في فترة حكم اتفاقية نيفاشا لإدارة السودان في المرحلة الانتقالية ويستمر العمل به حتى إقرار دستور جديد أو تطويره كان أفضل من الوثيقة الدستورية المعطوبة الحاكمة الآن بعد التعديل الذي أصبح الخازوق لأنها وضعت على عجل وهى سبب الخلل في إدارة المرحلة الانتقالية الحالية التي تعقدت تماما.
٩/ كان ممكن صياغة الدستور على مرحلتين:
* في المرحلة الأولى الاتفاق على اعداد عدد من المبادئ الأساسية التي تتضمن حقوق الأفراد والجماعات والتي ينتخب البرلمان على أساسها.
* في المرحلة الثانية يكلف البرلمان بإعداد مشروع الدستور على أن ينتهي من مهمته خلال عامين وحرص البرلمان على إجراء مشاورات واسعة مع كل القوى الاجتماعية والإثنية والدينية والاستماع لأراء ممثليها.
* ثم إرسال مشروع الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا للتأكيد من مطابقته للمبادئ الدستورية المتفق عليها.
١٠/ ثم أخذ موافقة المواطنين عليه في استفاء عام على الدستور.
* في تقديرى كان من الأفضل للسودان إدخال تعديلات على دستور ٢٠٠٥م لأنه دستور متفق عليه.
* للأسف تصرفات قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية الغير مسؤولة أدت إلى فشل الانتقال الديمقراطي.
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.
* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين


