مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | العودة إلى الوطن… بين حلم السودانيين وكلفة الاقتصاد المنهك

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | العودة إلى الوطن… بين حلم السودانيين وكلفة الاقتصاد المنهك

ليست العودة إلى الوطن مجرد قرار يتخذه المواطن حين تهدأ أصوات المدافع، وإنما هي قرار تصنعه معادلة معقدة تتداخل فيها السياسة بالأمن، والاقتصاد بالكرامة، والأمل بالواقع. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم ليس: هل سيعود السودانيون إلى ديارهم؟ بل: أي وطن سيعودون إليه؟
فالوطن الذي غادره الملايين تحت وطأة الحرب ليس هو الوطن الذي سيجدونه عند العودة. لقد تغيرت ملامح المدن، وتبدلت أولويات الناس، وتعرض الاقتصاد لواحدة من أعنف الهزات في تاريخه الحديث. وبينما يتطلع المواطن إلى استعادة حياته الطبيعية، تقف أمامه حقيقة أكثر قسوة؛ أن الحرب لا تنتهي بانتهاء القتال، بل تبدأ مرحلة أخرى عنوانها إعادة بناء الإنسان قبل الحجر، واستعادة الاقتصاد قبل استعادة مظاهر الحياة.
لقد دفعت الحرب المواطن السوداني إلى دفع فاتورة لم يشارك في كتابة بنودها. فقد منزله، أو مصدر رزقه، أو مدخراته، أو سنوات من عمره، ثم يجد نفسه اليوم مطالبًا بتحمل كلفة العودة أيضًا. وهذه هي المفارقة المؤلمة؛ إذ يتحول السلام، في غياب التعافي الاقتصادي، إلى عبء جديد على المواطن بدلاً من أن يكون بوابة للخلاص.
إن الاقتصاد لا يتعافى بالتصريحات ولا بالشعارات، وإنما بالإنتاج والاستثمار والثقة. وهذه الركائز الثلاث تعرضت لاختبارات قاسية خلال الحرب. فالمصانع التي توقفت لا تعود للعمل بمجرد توقف إطلاق النار، والمزارع التي أُهملت تحتاج إلى التمويل والخدمات، والأسواق التي فقدت استقرارها تحتاج إلى سياسات اقتصادية رشيدة تعيد إليها التوازن، والمستثمر لا يغامر بأمواله في بيئة يكتنفها الغموض.
الأخطر من الدمار المادي هو تآكل الثقة. فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي اقتصاد. وعندما يفقد المواطن ثقته في قدرة المؤسسات على توفير الخدمات، ويفقد المستثمر ثقته في استقرار البيئة الاقتصادية، ويفقد الشباب ثقتهم في مستقبلهم داخل بلادهم، فإن نزيف الهجرة ورؤوس الأموال والكفاءات يصبح أخطر من خسائر الحرب نفسها.
ومن هنا، فإن إعادة الإعمار ليست مشروعًا هندسيًا، بل مشروع اقتصادي وسياسي واجتماعي متكامل. فالطرقات يمكن أن تُعبد، والجسور يمكن أن تُبنى، لكن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى مؤسسات قوية، وعدالة، وشفافية، وسياسات واضحة تمنح المواطن شعورًا بأن تضحياته لن تذهب سدى.
كما أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة في مرحلة ما بعد الحرب هو الاكتفاء بإعادة الخدمات الأساسية دون إطلاق مشروع اقتصادي وطني يعيد عجلة الإنتاج. فالدول لا تنهض بالمساعدات وحدها، بل تنهض عندما يتحول المواطن من متلقٍ للدعم إلى شريك في الإنتاج والتنمية.
إن السودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله للنهوض؛ أراضٍ زراعية شاسعة، وموارد طبيعية ضخمة، وثروة حيوانية، وموقعًا جغرافيًا متميزًا، وكفاءات بشرية منتشرة في الداخل والخارج. غير أن هذه الموارد ظلت، لعقود، رهينة غياب التخطيط وضعف المؤسسات وعدم الاستقرار السياسي. والحرب جاءت لتضاعف هذه التحديات، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى شماعة تُعلَّق عليها كل الإخفاقات.
إن المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، لا شجاعة في إطلاق الوعود. فالمواطن الذي صبر على الحرب لن يصبر طويلًا على اقتصاد عاجز عن توفير أبسط مقومات الحياة. والنجاح الحقيقي لأي حكومة لن يُقاس بعدد المؤتمرات أو التصريحات، وإنما بقدرتها على خفض الأسعار، وخلق فرص العمل، وإعادة الخدمات، وتحريك عجلة الإنتاج، وبناء بيئة آمنة للاستثمار.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء النخب السياسية والاقتصادية من مسؤوليتها التاريخية. فقد أثبتت التجارب أن الصراع على السلطة يدفع المواطن دائمًا الثمن الأكبر، بينما يبقى الاقتصاد أول الضحايا وآخر المتعافين. وإذا استمرت الخلافات السياسية في تعطيل الإصلاحات، فإن كلفة السلام قد تصبح، بالنسبة للمواطن، أكثر إرهاقًا من كلفة الحرب نفسها.
ويبقى الرهان الحقيقي على الإنسان السوداني، الذي أثبت، رغم كل الظروف، قدرة استثنائية على الصمود والعمل وإعادة البناء. غير أن هذه الإرادة الشعبية تحتاج إلى دولة تمتلك رؤية، وإدارة تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، واقتصاد يقوم على الإنتاج لا على الأزمات، وعلى التنمية لا على ردود الأفعال.
إن العودة إلى الوطن ليست نهاية الطريق، بل بدايته. وإذا أُريد لهذا الحلم أن يتحول إلى واقع، فلا بد أن تكون إعادة بناء الاقتصاد أولوية وطنية تسبق الحسابات السياسية، لأن المواطن لا يبحث فقط عن سقف يؤويه، بل عن وطن يمنحه فرصة للحياة الكريمة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ستكون مرحلة ما بعد الحرب نقطة انطلاق نحو دولة منتجة واقتصاد قوي، أم أنها ستكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق أزمة جديدة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تكتبها الخطابات، وإنما ستكتبها السياسات، والإصلاحات، والقدرة على تحويل آمال السودانيين في العودة إلى واقع اقتصادي يمنحهم سببًا حقيقيًا للبقاء في وطنهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى