مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | وطن تصنعه القلوب

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | وطن تصنعه القلوب

ليس كل وطن تُقيمه الخرائط، وليس كل دولة تُبنى بالحدود والأسلاك الشائكة. فكم من دول امتلكت الجغرافيا وخسرت الإنسان، وكم من شعوب عاشت فوق أرض واحدة لكنها لم تستطع أن تعيش بقلب واحد. ولذلك فإن الحقيقة التي تؤكدها تجارب الأمم هي أن الأوطان لا تُصنع بالحجر وحده، وإنما تصنعها القلوب المؤمنة بأنها تنتمي إلى مصير واحد.

لقد علّمتنا الحروب أن السلاح يستطيع أن يسيطر على مدينة، لكنه لا يستطيع أن يبني وطنًا. وأن القوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تخلق سلامًا دائمًا. فالوطن الذي يُفرض بالخوف يبقى هشًا، أما الوطن الذي تصنعه القلوب فيبقى صامدًا مهما عصفت به الأزمات.

واليوم يقف السودان أمام لحظة تاريخية لا تحتمل المزيد من الحسابات الضيقة. فسنوات الصراع لم تترك وراءها فقط مباني مهدمة، بل تركت ندوبًا عميقة في النفوس، وأوجدت حالة من الشك والخوف والانقسام تحتاج إلى شجاعة أخلاقية قبل أن تحتاج إلى حلول سياسية.

إن إعادة بناء السودان ليست مجرد مشروع هندسي لإصلاح الطرق والجسور، بل هي مشروع إنساني لإعادة بناء الثقة التي تضررت بين أبناء الوطن. فالدولة التي يفقد مواطنوها الثقة في بعضهم، لا تستطيع أي حكومة مهما بلغت قوتها أن تمنحها الاستقرار.

لقد أثبتت التجربة أن خطاب الكراهية لا يصنع انتصارًا حقيقيًا، بل يؤجل الانفجار القادم. وكلما توسعت دائرة التخوين والإقصاء، ضاقت مساحة الوطن نفسه. فالخلاف السياسي أمر طبيعي، أما تحويل الاختلاف إلى عداوة دائمة فهو الطريق الأقصر إلى إنهاك الدولة واستنزاف المجتمع.

إن السودان بلدٌ لم يكن يومًا لونًا واحدًا، ولا قبيلة واحدة، ولا ثقافة واحدة، وهذه ليست نقطة ضعف كما يحاول البعض تصويرها، بل مصدر ثراء إذا أُحسن التعامل معها. فالتنوع يصبح قوة عندما تحكمه المواطنة، ويصبح عبئًا عندما تستغله السياسة لإشعال الانقسامات.

ومن المؤسف أن بعض الخطابات ما زالت تتعامل مع التنوع السوداني باعتباره مشكلة يجب التخلص منها، بينما الحقيقة أن المشكلة ليست في التنوع، وإنما في غياب مشروع وطني قادر على إدارة هذا التنوع بعدالة ومساواة واحترام متبادل.

إن الوطن الذي تصنعه القلوب لا يسأل المواطن من أي إقليم جاء، ولا إلى أي قبيلة ينتمي، ولا بأي لهجة يتحدث، بل يسأله سؤالًا واحدًا: ماذا تستطيع أن تقدم لهذا الوطن؟

إن الدولة العادلة لا تُقاس بعدد الخطب ولا بحجم الشعارات، وإنما بقدرتها على أن تجعل القانون فوق الجميع، وأن يشعر المواطن في أقصى الشمال كما في أقصى الغرب والشرق والجنوب بأن كرامته مصونة، وأن حقوقه لا تتغير بتغير ميزان القوة.

لقد دفع السودانيون أثمانًا باهظة من أرواحهم وأرزاقهم واستقرارهم، وليس من الإنصاف أن تتحول هذه التضحيات إلى مجرد محطة تعيد إنتاج الأزمات نفسها. فالحكمة تقتضي أن يكون الدرس الأكبر من الحرب هو أن لا أحد يستطيع بناء السودان وحده، ولا أحد يستطيع احتكار مستقبله.

إن الإعلام، والمثقفين، ورجال الدين، والمعلمين، والشباب، والنساء، جميعهم شركاء في صناعة هذا الوطن. فالوطن لا تصنعه البنادق وحدها، ولا تصنعه القرارات السياسية وحدها، وإنما تصنعه قيم الصدق، والعدل، والتسامح، واحترام الإنسان، والإيمان بأن مصلحة السودان يجب أن تعلو على كل مصلحة أخرى.

وليس المطلوب أن نختلف أقل، بل أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهدم بيتنا المشترك. فالدول القوية ليست تلك التي تخلو من الخلافات، وإنما تلك التي تمتلك مؤسسات وقيمًا تجعل الحوار أقوى من السلاح، والقانون أقوى من النفوذ، والانتماء للوطن أقوى من أي انتماء آخر.

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الأصوات التي تزرع الخوف، بل إلى أصوات تزرع الأمل دون أن تنكر الواقع، وتدعو إلى الإصلاح دون أن تبرر الأخطاء، وتتمسك بالحق دون أن تسقط في فخ الكراهية.

فالأوطان العظيمة لا تُبنى على أنقاض بعضها البعض، ولا تنهض بإقصاء جزء من أبنائها، وإنما تنهض عندما يدرك الجميع أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأكبر من الحكومات، وأكبر من الصراعات العابرة.

سيأتي يوم تنتهي فيه المعارك، ويهدأ دخان الحرب، ولن يتذكر التاريخ من كان أكثر صخبًا، بل سيتذكر من حافظ على وحدة الوطن، ومن مدّ الجسور بدل أن يحرقها، ومن جعل ضميره أقوى من مصالحه.

إن السودان لن يُنقذه منطق الغلبة، بل منطق الدولة. ولن تحميه لغة الكراهية، بل ثقافة المواطنة. ولن يعيد بناءه الإسمنت وحده، بل القلوب التي تؤمن بأن هذا الوطن يتسع للجميع، وأن أعظم انتصار ليس هزيمة الخصم، وإنما إنقاذ الوطن.

فالأوطان التي تصنعها القلوب… لا تهزمها الحروب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى