الضفة الأخرى | محمد الحاج | أنثى اضاعها التأجيل

صوت الشارع
مقالات وكتاب
الضفة الأخرى | محمد الحاج | أنثى اضاعها التأجيل
محمد الحاج ✍🏽
وأخيرًا قرر العوض الزواج، بعد حياةٍ متوَّجةٍ بالكَدّ وشظف العيش، ومكلَّلةٍ بغربة خمسة أعوام في أرض الله الواسعة؛ عيشٌ ضاق فيه الفرح ،وقلّ فيه الهناء وكثر فيه العناء، كان في حيرةٍ من أمره، تتجاذبه الظنون وتتنازعه الشجون، ولكن سرعان ما ساقته الفِطنة والبداهة إلى وضع خطةٍ لم تخطر على أنس ولا جان، قام بتدوين كل من يعرفهن من نون النسوة في كراسةٍ خاصة يكتب ويشطب، ويقرّب ويبعد ، حتى اهتدى، هداية الضال عن طريق الحق…
ظفر بابنة عمه التوم، وفي ناظره ليست بأجمل من الأخريات، ولا ألطفهن، ولا أرقّهن، ولكنها أقربهن نسباً وحسباً ،لا لِحُسنٍ يُفتن، ولا لِدلالٍ يُسكن، بل لرباطٍ يُشدّ، ونسبٍ لا يُردّ،وفي قرارة نفسه: (الجن البتعرفو ولا الجن الما بتعرفو)…
ريم على مشارف العقد الثاني من العمر ،سمراء كليلٍ هادئ، وديعة كنسيمٍ دافئ، هادئة الملامح والطباع كهدوء النيل الأبيض ، ممشوقة القوام كغصنٍ إذا مال لا يُلام، وكأنها من أصفهان في الحسن والإتقان….
وفي ذات ليلةٍ، يداعبها نسيم الشتاء في الغربة، قرر مهاتفتها ليخبرها بخبره قبل أن يخيط ثوب أحلامه المثقوب، حلمٌ رقّ طرفه وانشقّ وسطه، كان على يقينٍ بموافقتها، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن…
قالت:
يا عوض، أنا صراحةً كده عايزة أقرأ، وما مفكرة في الزواج لسه!
هكذا جاءت كلماتها باردةً كثلج الشتاء، حادّةً كحدّ السيف،…
وأردف العوض قائلًا:
طيب يا ريم، بعد تكملي دراستك بحصل شنو؟
أجابته إجابةً كوقع السهم المسموم في الأسد:
بعدين أشوف البحصل شنو.
فقال لها بحنقٍ ظاهر وغليانٍ باطن:
يعني يا ريم، أنتظرك بعد تكملي دراستك، وبعدين تفكري في طلب الزواج مني؟
قالت:
أيوه، نعم يا عوض.
عندها تفجرت براكين الغضب في صدره، لا تُبقي ولا تذر، اختلطت كريات الدم الحمراء بالبيضاء، وضاق النفس، وارتعش الجسد، تمنى لو أنه كان نسيًا منسيًا ،دارت ذاكرته بأيام الطفولة والبراءة، حين كانت صغيرة يلاعبها ويحملها، يصحبها حيث ذهب، فكانت بالأمس ظلًا لا يفارقه، وأصبحت اليوم حلمًا لا يُدركه،بحث في معاجم اللغات، ونقّب في دفاتر العبارات، عسى كلمةً تواسي أو جملةً تداوي، وقبل أن يغلق الهاتف،نسأل الله لك التوفيق يا ريم، وأغلق هاتفه بلا رجعة…
عاد العوض من غربته عودة من عرف الطريق بعد الضياع، واختار الزواج ممن تريد بعلًا لا جدلًا، زوجًا لا تأجيلًا ،ليست مثل أولئك المتقعرات المتشدقات اللائي وجدن في عبارة (أنا دايره أقرأ) شماعةً يُعلَّق عليها الوعد، ويُؤجَّل بها العهد، حتى يقوى عضد الحبيب، ويتزيّن السراب في ثوبٍ كأنه قريب، ولكن هيهات… هيهات لما يقولون.
أقام العوض زواجه الميمون، فضجّت الأرض بالطبول، ورقص الجمع على أنغام (العرضة – المريود– الكدكو) وتشرفت ريم بتهنئتهم،متمنيةً لهما حياةً زوجية سعيدة…
أنجب العوض من زوجته آمنة أربعة من البنين، فكانوا له زينة الحياة وسند السنين؛ إذا ضحكوا أشرق البيت، وإذا كبروا اشتدّ الظهر، وما يزال حبل الود والوئام بينه وبين زوجه مشدودًا لا ينفصم، وممدودًا لا ينقطع.
أما ريم، فقد مضت في دربٍ آخر،نالت الدكتوراه بعنوان (دوغمائية سكان ماوراء الطبيعة) ، وارتقت في المراتب العلمية والعملية ، وكتبت ما كتبت، ونشرت ما نشرت،أصدرت كتبًا مثل (برجوازية قاطني الواق الواق) و(فلسفة طير الرهو) أسماءٌ تُدهش وعناوين تُربك…
عملت سفيرةً في بلاد (ورا كوستي) فوطدت العلاقات وسبل التعاون المشترك ، ثم عُيّنت وزيرة في (وزارة التلتلة والتوجيه المعنوي) مناصب تُذكر وألقاب تُرف،تجاوزت العقد الرابع والعمر يجري لا يعتذر؛ وكلما طرق بابها خاطب، ردّته بحجة
(القراية-القراية-القراية)
حتى شاخ الجسد بعد نضارته، واشتعل الشيب بعد سواده، فلا أنيسٌ يؤنسها، ولا رفيقٌ يجالسها، ولا ولدٌ يذكرها إذا غابت، ولا قلبٌ يحنّ إذا رحلت.
غدًا حتماً سيوارى جسدها الثرى، وتبكيها الأمكنة إن بكت، وتذكرها الأزمنة إن ذكرت؛ لا زوجٌ يفقدها فيحنّ، ولا ابنٌ صالح يدعو لها.
فما معنى أن تكون الأنثى بلا سكنٍ ولا سكينة، بلا دفءٍ ولا طمأنينة؟ وهي التي خُلقت لتُحيي القلوب بعد موتها، وتُسكن الأرواح بعد عنائها، وتكون بابًا للرحمة في الدنيا، وجسرًا للنعيم في الآخرة.


