مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | *نظام الإنقاذ: بين السلطوية والتعددية… لماذا كان نظاماً هجيناً قراءة أولى في تجربة ثلاثون عاماً من الحكم

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | *نظام الإنقاذ: بين السلطوية والتعددية… لماذا كان نظاماً هجيناً قراءة أولى في تجربة ثلاثون عاماً من الحكم

دكينيات (1853) – 27 يوليو 2026م
د. عصام دكين

*مدخل:*
شهدت خمسينيات وستينيات القرن الماضي اهتماماً واسعاً بقضايا التحديث والتنمية في الدول النامية، وبرز وقتذاك اعتقاد بأن نظم الحزب الواحد أو الأنظمة العسكرية أكثر قدرة على إنجاز مهام بناء الدولة وتحقيق التنمية، حتى وإن جاء ذلك على حساب الممارسة الديمقراطية مؤقتاً. هذا ما جرى عليه الحال في السودان حيث تعاقبت أنظمة عسكرية مختلفة وصلت إلى السلطة بانقلابات دعمتها قوى سياسية متباينة؛ يسارية وإسلامية وتقليدية. وقد نجحت هذه الأنظمة بدرجات متفاوتة في تحقيق بعض الإنجازات التنموية والاستقرار الأمني، لكنها أخفقت في ترسيخ الديمقراطية وضمان الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان.
*نظام الإنقاذ والتحول إلى النظام الهجين:*
جاء نظام الإنقاذ فى العام 1989 بانقلاب عسكري مدعوم من الجبهة الإسلامية القومية، لكنه لم يبق على صورته الأولى. فمنذ تسعينيات القرن الماضي أدخل تعديلات سياسية بإرادته، تمثلت في السماح بالتعددية الحزبية، وإجراء الانتخابات، وإنشاء مجلس للأحزاب، وتوسيع بعض مساحات العمل السياسي والإعلامي.
وبذلك لم يعد النظام سلطوياً خالصاً، ولم يتحول أيضاً إلى نظام ديمقراطي كامل، وإنما أصبح أقرب إلى ما يعرف في العلوم السياسية بـ “السلطوية التنافسية” أو “النظام الهجين”؛ حيث توجد مؤسسات ديمقراطية شكلية، بينما تبقى السلطة الفعلية مركزة في يد الحزب الحاكم (المؤتمر الوطنى) ورئيس الجمهورية.
*مظاهر التعددية وحدودها:*
لقد شهدت فترة حكم الإنقاذ وجود أحزاب سياسية وصحف مستقلة وانتخابات دورية، كما تمتع سلك القضاء بقدر معتبر من الاستقلال، ونشأت معارضة داخل البرلمان وخارجه.
غير أن هذه المظاهر لم تكن مصحوبة بتكافؤ حقيقي بين الحزب الحاكم وباقى القوى السياسية، إذ استند المؤتمر الوطني على الدعائم التالية:
– سيطرته الكاملة على أجهزة الدولة.
– أغلبيته البرلمانية.
– الإعلام الرسمي الموالى.
– شبكة واسعة من المصالح والنفوذ.
– دعم رجال الأعمال المستفيدين من امتيازات السلطة.
وفقاً لذلك ظلت المنافسة السياسية غير متكافئة، رغم وجود مؤسسات تبدو ديمقراطية في ظاهرها.
*الانتخابات… بين الشرعية والتشكيك:*
كانت الانتخابات أبرز مظاهر هذا النظام الهجين.
فمن جهة، شاركت فيها أحزاب سياسية متعددة، وأشرفت عليها السلطة القضائية، وراقبها مراقبون محليون ودوليون، من بينهم مركز كارتر والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية.
ومن جهة أخرى، ظلت المعارضة تتهم الحكومة باستخدام إمكانات الدولة لصالح الحزب الحاكم، والتضييق على بعض المرشحين، واستغلال الأغلبية البرلمانية في تعديل القوانين الانتخابية بصورة تخدم المؤتمر الوطني، وهو ما أدى إلى كثرة الطعون والنزاعات السياسية.
وهكذا اختلفت رؤية الطرفين لوظيفة الانتخابات فالحكومة كانت تنظر إليها باعتبارها وسيلة لتجديد شرعية النظام وتأكيد شعبيته، بينما
المعارضة كانت تراها فرصة للمشاركة السياسية وكشف اختلالات العملية الانتخابية، أكثر من كونها طريقاً واقعياً لتداول السلطة.
ولذلك بقيت الانتخابات طوال سنوات الإنقاذ مصدراً دائماً للتوتر السياسي.
*البرلمان… أغلبية حاسمة برغم المعارضة:*
عرف المجلس الوطني وجود معارضة نشطة مارست الرقابة، وقدمت الاستجوابات، وكشفت العديد من قضايا الفساد، مستفيدة من التغطية الإعلامية لجلسات البرلمان.
غير أن الأغلبية الكبيرة التي تمتع بها المؤتمر الوطني مكنته من تمرير التشريعات التي يريدها، بغض النظر عن اعتراضات المعارضة، مما حدّ من الأثر العملي للدور الرقابي.
*القضاء… مساحة للصراع السياسي:*
يعد القضاء من الجوانب التي تستحق التوقف عندها.
فقد لجأت المعارضة مراراً إلى القضاء للطعن في قرارات الحكومة المتعلقة بالطوارئ، واعتقال المعارضين، وتجميد نشاط بعض الأحزاب.
كما شهدت المحاكم مرافعات لمحامين معارضين وإسلاميين على السواء، وصدرت أحكام بالإدانة والبراءة وفق الإجراءات القضائية، وهو ما يعكس وجود قدر من الاستقلال القضائي، رغم طبيعة النظام السياسية.
*الإعلام… بين الحرية والقيود:*
شهدت فترة الإنقاذ توسعاً ملحوظاً في وسائل الإعلام الخاصة، وظهرت صحف وقنوات فضائية مستقلة استضافت شخصيات معارضة، كما استخدمت المعارضة هذه المنابر في نقد الحكومة وكشف ملفات الفساد والانتهاكات.
وفي المقابل، ظل الإعلام الحكومي منحازاً إلى سياسات السلطة، واستُخدمت إمكانات الدولة والإعلانات الحكومية لدعم وسائل إعلام بعينها، مع ممارسة ضغوط متفاوتة على بعض المؤسسات الإعلامية والبرامج التي تجاوزت السقف المقبول لدى السلطة.
ومن التجارب الشخصية التي تؤكد ذلك إيقاف برنامج “خطوط عريضة” الذي كان يقدمه الأستاذ محمد الأمين دياب على تلفزيون السودان، بعد أن اتسعت مساحة النقد فيه.
*الإعلام الإلكتروني… طريق نهاية النظام:*
مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فقدت الدولة كثيراً من قدرتها على احتكار تدفق المعلومات.
واستطاعت المعارضة توظيف الإعلام الإلكتروني بكفاءة في تنظيم الاحتجاجات وتعبئة الرأي العام، حتى أصبحت هذه الوسائل أحد أهم العوامل التي ساعدت في نجاح ثورة ديسمبر، والتي انتهت بسقوط نظام الإنقاذ في 11 أبريل 2019م.

*خاتمة:*
بناءً على ما تم سرده أعلاه، يمكن القول إن نظام الإنقاذ لم يكن نظاماً سلطوياً مغلقاً بالمعنى التقليدي، كما لم يكن نظاماً ديمقراطياً مكتمل الأركان.
فقد جمع بين وجود مؤسسات انتخابية، وتعددية حزبية، ومساحات من حرية الإعلام، واستقلال نسبي للقضاء، وبين استمرار احتكار السلطة الفعلية، وعدم تكافؤ المنافسة السياسية، واستخدام موارد الدولة لمصلحة الحزب الحاكم.
ولهذا يمكن وصفه بأنه نظام هجين أو سلطوي تنافسي؛ وهي الصفة التي ساعدته على الاستمرار ثلاثة عقود، لكنها في الوقت نفسه أوجدت تناقضات داخلية تراكمت حتى انتهت بسقوطه في أبريل 2019م.
ويبقى تقييم هذه التجربة التى امتدت لثلاثين عاماً مسؤولية الباحثين والمؤرخين، بعيداً عن الانحياز السياسي، من خلال الموازنة بين ما تحقق من إنجازات في مجالات التنمية والاستقرار، وبين ما صاحبها من إخفاقات في الديمقراطية، والحريات، وتكافؤ المنافسة السياسية.

سلسلة (دكينيات) لسان حال المظلومين والمكلومين ..
تُقدِّم التحليل الواقعى والخبر الصادق ،،

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى