مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | إلى متى يدفع المواطن فاتورة الحكومة

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | إلى متى يدفع المواطن فاتورة الحكومة

في كل أزمة اقتصادية، وفي كل قرار برفع الرسوم أو الضرائب أو أسعار الخدمات، يتكرر المشهد نفسه: المواطن هو أول من يدفع الثمن. أما السؤال الذي يزداد إلحاحًا عامًا بعد عام فهو: إلى متى سيظل المواطن الحلقة الأضعف التي تتحمل تكلفة كل إخفاق؟

الدولة وُجدت لحماية المواطن، وتقديم الخدمات، وتهيئة البيئة التي تمكنه من العمل والإنتاج والعيش بكرامة. لكن عندما تتحول الأزمات المالية إلى أعباء تُنقل مباشرة إلى الناس، دون إصلاحات تعالج أسباب الأزمة، فإن العلاقة بين الدولة والمواطن تصبح محل تساؤل.

ليس من العدل أن يواجه المواطن ارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية، وزيادة تكاليف التعليم والعلاج والخدمات، بينما يشعر أن دخله لم يعد قادرًا على تلبية أبسط احتياجات أسرته. فالأسرة التي كانت تكافح لتغطية احتياجاتها الأساسية أصبحت اليوم مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها يومًا بعد يوم.

وفي المقابل، فإن الحكومات تواجه تحديات حقيقية؛ منها انخفاض الإيرادات، وتراجع النشاط الاقتصادي، وارتفاع كلفة إعادة الإعمار وتقديم الخدمات. لكن الاعتراف بهذه التحديات لا يلغي ضرورة البحث عن حلول تقلل العبء على المواطنين، وتوزع التكلفة بصورة أكثر عدالة.

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يبدأ بزيادة الرسوم، بل يبدأ بمراجعة أوجه الإنفاق، وتعزيز الشفافية، وتحسين إدارة الموارد، ومكافحة الفساد، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار، حتى تصبح الإيرادات ناتجة عن نمو الاقتصاد لا عن زيادة الأعباء على الناس.

كما أن المواطن لا يرفض المشاركة في تحمل المسؤولية عندما يدرك أن التضحيات تؤدي إلى نتائج ملموسة، وأن الخدمات تتحسن، وأن الأموال العامة تُدار بكفاءة، وأن الجميع يخضع للمساءلة. أما إذا شعر بأن التضحيات تتكرر دون تحسن في الواقع، فإن الثقة تتراجع، ويزداد الشعور بالإحباط.

وفي السودان، تزداد هذه القضية حساسية بسبب آثار الحرب التي أرهقت الأسر، وأثرت في مصادر الدخل، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد. لذلك فإن أي سياسات اقتصادية في هذه المرحلة ينبغي أن تراعي قدرة المواطنين على التحمل، وأن توازن بين احتياجات الدولة ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

إن بناء الدولة لا يكون على حساب المواطن، بل معه. والمواطن ليس مجرد ممول للموازنة العامة، بل هو شريك في التنمية، وأي سياسة اقتصادية لا تضع الإنسان في مركزها قد تحقق إيرادات مؤقتة، لكنها تخسر الثقة التي تُعد من أهم مقومات الاستقرار.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح: هل يكفي أن نطالب المواطن بالصبر، أم أن الوقت قد حان لسياسات تُشعره بأن تضحياته تقابلها إصلاحات حقيقية، وخدمات أفضل، ومستقبل أكثر استقرارًا؟

فالمواطن ليس خزينة تُفتح كلما ضاقت الموارد، ولا رقمًا في معادلات الموازنة، بل هو الغاية التي وُجدت الدولة لخدمتها. وكلما كان توزيع أعباء الإصلاح أكثر عدلًا وشفافية، ازدادت قدرة المجتمع على تجاوز الأزمات، وتحول الصبر من عبء ثقيل إلى شراكة حقيقية في بناء الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى