شخصيات سودانيةمن رفاعة

من رفاعة | توثيق : أسعد أبوزيد | الأُسْتَاذُ المُرَبِّي : عَبْدُالرَّحْمَنِ عَبْدُالكَرِيمِ الأَقْرَع : مُعَلِّمُ الأَجْيَالِ وَصَاحِبُ المَسِيرَةِ الحَافِلَةِ بِالعَطَاءِ

صوت الشارع

شخصيات سودانية

 

من رفاعة | توثيق : أسعد أبوزيد | الأُسْتَاذُ المُرَبِّي : عَبْدُالرَّحْمَنِ عَبْدُالكَرِيمِ الأَقْرَع : مُعَلِّمُ الأَجْيَالِ وَصَاحِبُ المَسِيرَةِ الحَافِلَةِ بِالعَطَاءِ

 

مِنْ ذَاكِرَةِ رِفَاعَةَ

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الأُسْتَاذُ المُرَبِّي

عَبْدُالرَّحْمَنِ عَبْدُالكَرِيمِ الأَقْرَع

مُعَلِّمُ الأَجْيَالِ وَصَاحِبُ المَسِيرَةِ الحَافِلَةِ بِالعَطَاءِ

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

أَوَّلًا: المِيلَادُ وَالنَّشْأَةُ وَالجُذُورُ الأُسَرِيَّةُ

وُلِدَ الأُسْتَاذُ عَبْدُالرَّحْمَنِ عَبْدُالكَرِيمِ الأَقْرَع بمدينة رِفَاعَة عام 1945م، ونشأ في أسرة عريقة ارتبط اسمها بتاريخ المدينة وحياتها الاجتماعية والاقتصادية.
والده عبدالكريم عبدالله الأقرع،
ووالدته فاطمة بت الحوري.

ولقب «الأقرع» هو في الأصل لقب عائلي، استقر مع مرور الزمن في الأوراق الثبوتية، حتى أصبح اسمًا عُرفت به الأسرة. وهي أسرة رفاعية عريقة، تعود أصول بعض أقطابها إلى منطقة قري شمال بحري، واشتهر بعض أبنائها قديمًا بالتجارة، فيما برز من أبنائها في العصر الحديث المعلمون والأطباء والقانونيون والعاملون في مرافق الدولة.

ثَانِيًا: رِفَاعَةُ… مَدِينَةُ العِلْمِ وَصِنَاعَةِ الأَجْيَالِ

ينتمي الأستاذ عبدالرحمن إلى مدينة رفاعة، المدينة التي ارتبط تاريخها بريادة التعليم ونشر المعرفة، وكان لها إسهام بارز في النهضة التعليمية بالسودان، ولا سيما في مجال تعليم البنات، بفضل جهود روادها ومصلحيها الأوائل.

وفي هذه البيئة التي احتفت بالعلم وأعلت مكانة المعلم، تلقّى عبدالرحمن تعليمه بمدرسة رفاعة الشرقية، ثم مدرسة لطفي الوسطى، قبل أن يلتحق بمعهد التربية بخت الرضا، حيث تخرّج معلّمًا للغة العربية والتربية الإسلامية بالمدارس الابتدائية.

وهكذا بدأت ملامح رحلته مع العلم تتشكّل، في مدينة جعلت من التعليم رسالة، ومن المعلم ركيزة أساسية في بناء المجتمع وصناعة المستقبل.

ثَالِثًا: مَسِيرَةٌ تَعْلِيمِيَّةٌ امْتَدَّتْ مِنَ الفَاشِرِ إِلَى شَرْقِ الجَزِيرَةِ

بدأ الأستاذ عبدالرحمن مسيرته التعليمية بمدينة الفاشر، غربي السودان، عام 1970م، حيث خاض تجربة التدريس بعيدًا عن مدينته، مؤديًا رسالته في تعليم الأجيال وتربيتهم.

وكان انتقاله إلى الفاشر محطة مهمة في حياته المهنية؛ إذ أسهم في نشر العلم خارج بيئته المحلية، حاملًا رسالة المعلم الذي لا يقتصر دوره على تلقين المعرفة، بل يمتد إلى بناء الشخصية، وغرس القيم، وتهذيب السلوك.

وبعد ذلك، تنقّل بين عدد من مدارس محلية شرق الجزيرة، فعمل في المدارس الآتية:

مدرسة الحسين آدم.
مدرسة ودلوت.
مدرسة الشرفة.
مدرسة الصقيعة.
مدرسة العزيبة.
مدرسة السيال.
مدارس رفاعة.
مدرسة رقوة بمحلية أم القرى.

وقد أتاحت له هذه المحطات المهنية التعامل مع أجيال متعددة وبيئات مختلفة، والمشاركة في مسيرة التعليم بالمناطق التي عمل فيها.

كان يرى في مهنته رسالة تربوية سامية، وفي طلابه أمانة تستحق الرعاية والتوجيه، مؤمنًا بأن المعلم الحق لا يزرع المعرفة في العقول فحسب، بل يغرس معها الأخلاق والقيم التي تنير طريق الحياة.

رَابِعًا: التَّعْلِيمُ وَالإِصْلَاحُ دَاخِلَ السُّجُونِ

من المحطات المميزة في مسيرته المهنية انتدابه للعمل بمصلحة السجون في الخرطوم، معلّمًا ومرشدًا.
ولم يكن هذا العمل مجرد انتقال من مؤسسة تعليمية إلى أخرى، بل كان مجالًا يجمع بين التعليم والتوجيه والإصلاح؛ فالتعليم داخل السجون يفتح أمام الإنسان أبواب المعرفة، ويساعده على مراجعة تجربته والاستعداد لحياة أفضل.

وقد مثّل عمله في هذا المجال امتدادًا لرسالته التربوية، القائمة على الإيمان بأن الإنسان يستحق النصح والتوجيه وإتاحة فرص التعلم، وأن الإصلاح لا يتحقق بالعقوبة وحدها، بل يحتاج كذلك إلى التربية وبناء الوعي وتقويم السلوك.

خَامِسًا: تَجْرِبَةُ العَمَلِ خَارِجَ السُّودَانِ

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، انتُدب الأستاذ عبدالرحمن للعمل في اليمن، ضمن تجربة مهنية جديدة جمعته بعدد من زملائه المعلمين، منهم الأستاذ صلاح الفادني، والأستاذ محمد محمود الجزولي، والأستاذ عثمان حميد
.
وكانت هذه التجربة امتدادًا لمسيرته في مجال التعليم، وفرصة لمواصلة أداء رسالته خارج السودان، مستفيدًا من خبرته التربوية وتمكّنه من اللغة العربية والتربية الإسلامية.

وقد أضافت هذه المرحلة بُعدًا جديدًا إلى تجربته المهنية، وأكدت أن رسالة المعلم لا تحدّها الجغرافيا، وأن العلم من أنبل الرسائل التي يحملها الإنسان أينما حلّ وارتحل.

سَادِسًا: العَوْدَةُ إِلَى السُّودَانِ وَالتَّقَاعُدُ

عاد الأستاذ عبدالرحمن إلى السودان عام 1992م، وتولّى إدارة مدرسة العوايدة الابتدائية، مواصلًا عمله في الميدان التعليمي، حتى قرر التقاعد للمعاش الاختياري في العام نفسه.

غير أن التقاعد لم يكن نهاية عطائه أو ابتعاده عن العمل؛ فقد واصل نشاطه في مجالات أخرى، فعمل متعاونًا بمصلحة أراضي محلية شرق الجزيرة، كاتبًا للطلبات التي يتقدم بها المواطنون للحصول على الأراضي.

ثم اتجه إلى التجارة، فعمل في مورد الحطب بمدينة رفاعة، في صورة تعكس تعدد مجالات عمله، وقدرته على التكيّف مع متطلبات الحياة، وحرصه على مواصلة العمل والإنتاج.

وهكذا ظلّ العمل جزءًا أصيلًا من حياته، لا تحكمه مسمّيات الوظائف ولا تحدّه سنوات الخدمة، بل تحرّكه روح المبادرة والاعتماد على النفس.

سَابِعًا: أَخْلَاقُهُ وَصِفَاتُهُ الإِنْسَانِيَّةُ

لم تكن حياة الأستاذ عبدالرحمن محصورة في الوظيفة والمهنة؛ فقد عُرف بين أهله ومعارفه بصفات حميدة، وكان محبًا للخير، حريصًا على مساعدة الآخرين، وصلة الرحم، والوقوف إلى جانب الناس قدر استطاعته.

وفي محيط أسرته، كان أبًا حنونًا ورفيقًا، يجمع بين الشفقة والرعاية، ويحرص على أن يكون قريبًا من أبنائه وأفراد أسرته، لا بصفته والدًا فحسب، بل صديقًا وناصحًا ومرشدًا.

وقد عُرف عنه اهتمامه بالقرآن الكريم وتلاوته، حتى شبّهه محبوه بقولهم:
«كَانَ قُرْآنًا يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ»
وهي عبارة بليغة تعبّر عن تقديرهم لما لمسوه فيه من ارتباط بالقرآن الكريم، وحرص على القيم الدينية والأخلاقية، ومحبة للخير في القول والعمل.

ثَامِنًا: القِرَاءَةُ وَالاهْتِمَامَاتُ الفِكْرِيَّةُ

كان الأستاذ عبدالرحمن محبًا للقراءة والاطلاع، ومهتمًا بتلاوة القرآن الكريم ومتابعة الشأن السياسي. وكان الراديو رفيقًا له في متابعة البرامج الثقافية والفكرية، ومن البرامج التي اهتم بالاستماع إليها:

برنامج «لسان العرب» للأستاذ فرّاج الطيب.

برنامج «دراسات في القرآن الكريم» للدكتور عبدالله الطيب.

برنامج «سحر البيان» للدكتور الحبر.

وتكشف هذه الاهتمامات عن شخصية لم تكتفِ بما اكتسبته من خبرة مهنية، بل ظلّت حريصة على متابعة المعرفة واللغة والفكر والشأن العام.

فقد كانت القراءة بالنسبة إليه نافذةً يطلّ منها على عوالم المعرفة، وكان الاستماع إلى البرامج الثقافية والفكرية وسيلةً لتوسيع مداركه ومتابعة ما يدور حوله.

تَاسِعًا: أُسْرَتُهُ وَحِرْصُهُ عَلَى تَعْلِيمِ أَبْنَائِهِ

تزوّج الأستاذ عبدالرحمن من السيدة الفاضلة إحسان عوض السيد حمد محمد علي، ورُزق منها بأبنائه الذين حرص على تربيتهم وتعليمهم، وتوفير ما استطاع من أسباب النجاح لهم.

وكان التعليم، الذي قضى سنوات عمره في خدمته، قيمة أساسية في حياته الأسرية أيضًا؛ فقد سعى إلى أن يسير أبناؤه في طريق العلم والعمل، وأن يشقّوا طريقهم في الحياة بالاجتهاد وحسن السلوك.

وقد ترك لأسرته إرثًا من القيم الطيبة، يتمثل في احترام العلم، والاعتماد على النفس، ومساعدة الآخرين، والمحافظة على صلة الرحم.

وهكذا لم تكن رسالته التعليمية محصورة في المدرسة، بل امتدّت إلى بيته وأبنائه، الذين حرص على أن يورّثهم من القيم ما يعينهم على مواجهة الحياة بكرامة ومسؤولية.

عَاشِرًا: تَلَامِيذُهُ وَرُفَقَاءُ دَرْبِهِ

من تلاميذه الذين وردت أسماؤهم في هذه السيرة:

الأستاذ أحمد حسن عبدالرحمن.

الأستاذ جعفر الماحي.

أما زملاء المهنة الذين رافقوه في تجربة العمل باليمن، فقد جمعتهم به سنوات من العمل والاغتراب، وظلّت تلك التجربة جزءًا من ذاكرته المهنية والاجتماعية.

وتبقى أسماء التلاميذ والزملاء محطات مضيئة في سجل حياته، وشواهد على المسيرة التي جمعت بين التعليم والعلاقات الإنسانية الطيبة.

الحَادِيَ عَشَرَ: رَحِيلُ المُعَلِّمِ وَبَقَاءُ الأَثَرِ

انتقل الأستاذ عبدالرحمن عبدالكريم الأقرع إلى رحمة الله عام 2023م، بعد حياة تنقّل فيها بين التعليم والتوجيه والعمل الإداري والتجارة، وظل خلالها قريبًا من أسرته ومجتمعه.

لم تكن سيرته سيرة معلم داخل الفصل الدراسي فحسب، بل سيرة إنسان تعدّدت مجالات عمله، وتنوّعت تجاربه، وجعل من التعليم جزءًا أساسيًا من حياته، ومن مساعدة الناس وصلة الرحم قيمًا أصيلة يحرص عليها.
لقد أمضى سنوات من عمره في تعليم الأجيال، متنقلًا بين المدن والمدارس، ومؤديًا رسالته في بيئات مختلفة، حتى أصبحت مسيرته شاهدًا على قيمة المعلم الذي يحمل العلم رسالةً، ويجعل من العمل طريقًا للعطاء وخدمة المجتمع.

ورغم أن الرحيل يطوي صفحة العمر، فإن ما يقدّمه الإنسان من علم وتربية وخير يظل حاضرًا في ذاكرة أهله وتلاميذه وزملائه وكل من عرفه.

فالمعلم قد يرحل عن مقعده، لكن أثره يبقى في العقول، وذكراه تعيش في القلوب، وغرسه الطيب يواصل النمو في حياة الأجيال.

رحم الله الأستاذ عبدالرحمن عبدالكريم الأقرع رحمة واسعة، وغفر له، وجعل ما قدّمه من علم وعمل صالح في ميزان حسناته.

دُعَاءٌ وَمَحَبَّةٌ وَوَفَاءٌ

ندعو أبناءه وأسرته الكريمة، وتلاميذه، وزملاءه المعلمين، وأصدقاءه، وكل من عرفه أو انتفع بعلمه أو أحسن إليه، إلى الدعاء له بالرحمة والمغفرة.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاجْعَلْ قَبْرَهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَأَنِرْ لَهُ فِيهِ، وَآنِسْ وَحْشَتَهُ، وَاجْزِهِ عَنْ تَلَامِيذِهِ وَأُسْرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ خَيْرَ الجَزَاءِ
.
اللهم اجعل ما علّمه من علم، وما غرسه من قيم، وما قدّمه من خير، في ميزان حسناته، وارفع درجته في المهديين، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ ذِكْرَاهُ طَيِّبَةً بَاقِيَةً، وَأَثَرَهُ فِي أَهْلِهِ وَتَلَامِيذِهِ صَدَقَةً جَارِيَةً، وَاجْمَعْهُ بِمَنْ يُحِبُّ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى