من رفاعة | توثيق : أسعد أبوزيد | الأستاذ بشير منصور محمد

صوت الشارع
شخصيات سودانية
من رفاعة | توثيق : أسعد أبوزيد | الأستاذ بشير منصور محمد

من ذاكرة رفاعة
********************************************
الأستاذ بشير منصور محمد
رائد من رواد الإدارة السودانية، وابن بارّ لمدينة رفاعة
سيرة رجل جمع بين العلم والخبرة والإخلاص في العمل، وأسهم في خدمة مؤسسات الدولة، وظل وفيًّا لمدينته التي أحبها، حتى عاد إليها ليقضي فيها بقية عمره
أولًا: السودان عام 1907م ورفاعة في ذلك الزمن
عندما نعود بذاكرتنا إلى عام 1907م، وهو العام الذي وُلد فيه الأستاذ بشير منصور محمد، نجد أنفسنا أمام مرحلة مهمة من تاريخ السودان؛ فقد كانت البلاد قد خرجت من عهد الدولة المهدية، ودخلت تحت الحكم الثنائي الإنجليزي المصري عام 1898م، وبدأت الإدارة الجديدة في إعادة تنظيم مؤسسات الدولة، وإنشاء بعض المرافق التعليمية والإدارية، وتدريب كوادر سودانية للعمل فيها.
كانت الحياة في ذلك الزمن مختلفة عن واقعنا المعاصر؛ إذ اعتمدت غالبية السكان على الزراعة وتربية الماشية والحرف التقليدية، وكانت الخدمات الصحية والتعليمية محدودة، ولا سيما في المناطق الريفية. كما احتفظ المجتمع السوداني بعاداته وتقاليده الأصيلة، وكان للتكافل الأسري والدين والخلاوي والمشايخ دور بارز في تشكيل الحياة الاجتماعية والتعليمية.
وقبل إعادة الاحتلال، كانت الخلاوي من أهم مؤسسات التعليم المتاحة في مناطق واسعة من السودان، حيث يتعلم الطلاب القرآن الكريم والقراءة والكتابة والعلوم الدينية، بينما تضررت المدارس النظامية التي أُنشئت في العهد التركي المصري أو تراجعت خلال فترة الدولة المهدية.
وفي هذا السياق، أُنشئت كلية غردون التذكارية، التي افتُتحت رسميًا في الثامن من نوفمبر عام 1902م، بهدف توفير التعليم الحديث وإعداد السودانيين للعمل في المجالات الإدارية والفنية. وقد أصبحت لاحقًا إحدى المؤسسات المهمة في تاريخ التعليم السوداني، وتطور مسارها التاريخي وصولًا إلى قيام جامعة الخرطوم.
أما مدينة رفاعة، الواقعة على الضفة الشرقية للنيل الأزرق، فقد كانت بيئة اجتماعية وزراعية مهمة، ارتبطت حياتها بالنيل والأرض وروابط المجتمع. ومع تطور التعليم، برز دورها بوصفها إحدى المدن التي قدمت للسودان أجيالًا من المعلمين والإداريين والمثقفين وأصحاب الكفاءات في مجالات مختلفة.
لقد كانت رفاعة أكثر من مجرد مدينة؛ كانت موطنًا للقيم الأصيلة، ومنطلقًا لطموحات أبنائها، وبيئةً ساعدت على تنشئة رجال ونساء أسهموا في خدمة المجتمع والوطن.
وفي هذه المدينة العريقة بدأت حكاية الأستاذ بشير منصور محمد، الذي انتقل من مقاعد الدراسة في رفاعة إلى مؤسسات الدولة، حاملًا معه طموح العلم والاستعداد للعمل والعطاء.
ثانيًا: الميلاد والنشأة الأولى
وُلد الأستاذ بشير منصور محمد بمدينة رفاعة عام 1907م، ونشأ وترعرع فيها، وأكمل تعليمه الابتدائي بمدارسها.
وقد عاش طفولته في مرحلة كانت فيها فرص التعليم الحديث محدودة، وكانت مواصلة الدراسة تتطلب عزيمةً خاصة، لا سيما لمن يرغب في الانتقال إلى المدن الكبرى طلبًا للعلم.
وكان بشير منصور من ذلك الجيل المبكر الذي أدرك أهمية التعليم في بناء شخصية الإنسان وتوسيع آفاقه، فحرص على مواصلة دراسته، متطلعًا إلى مستقبل يتجاوز حدود البيئة المحلية.
ولم تكن رحلته مجرد انتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى، بل كانت بداية مسيرة طويلة ستقوده إلى عدد من المؤسسات والمصالح الحكومية، حيث اكتسب الخبرة وأسهم في أداء مسؤوليات إدارية مهمة.
ثالثًا: الرحلة إلى الخرطوم والالتحاق بكلية غردون
بعد إكمال تعليمه الابتدائي، شدّ الأستاذ بشير منصور محمد الرحال إلى الخرطوم طلبًا للعلم، فالتحق بكلية غردون التذكارية عام 1924م، في خطوة تدل على عزيمته وإصراره على مواصلة التعليم في زمن لم تكن فيه هذه الفرصة متاحة للجميع.
كانت الكلية آنذاك من أبرز المؤسسات التعليمية الحديثة في السودان، وتستقبل الطلاب الذين تتوافر فيهم شروط القبول والتفوق، وتعدهم للعمل في مجالات تحتاج إليها الإدارة والخدمات العامة.
التحق بشير منصور بقسم الترجمة، وتخصص في الترجمة بين اللغتين الإنجليزية والعربية، كتابةً وفهمًا ونقلًا للمعاني.
وكان هذا التخصص بالغ الأهمية في ظل الإدارة البريطانية، التي اعتمدت في أعمالها على المكاتبات والوثائق والمخاطبات الرسمية باللغتين. ولذلك احتاجت المؤسسات إلى موظفين سودانيين يجيدون الترجمة، ويمتلكون القدرة على نقل المعنى بدقة وأمانة.
وفي عام 1927م، تخرج الأستاذ بشير منصور محمد في قسم الترجمة، ونال دبلوم الترجمة العامة، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته المهنية.
لقد كانت هذه الشهادة ثمرة اجتهاده، وبداية طريقه نحو العمل المؤسسي، حيث تحولت المعرفة التي اكتسبها في قاعات الدراسة إلى خبرة عملية وظفها في خدمة عدد من المصالح والإدارات السودانية.
رابعًا: بداية الحياة العملية في مصلحة الغابات
في عام 1928م، عُيّن الأستاذ بشير منصور محمد كاتبًا بمصلحة الغابات، مستفيدًا من تخصصه في اللغتين العربية والإنجليزية
.
وكان السلك الكتابي في ذلك الزمن يمثل ركيزة أساسية في عمل المصالح الحكومية، إذ اعتمدت عليه الإدارات في تحرير المكاتبات، وتنظيم السجلات، وحفظ الوثائق، ومتابعة المعاملات الرسمية.
ولم تكن هذه المهام مجرد أعمال روتينية؛ فقد تطلبت الدقة والأمانة وحسن التنظيم والقدرة على التواصل باللغة المناسبة، وهي صفات ضرورية لاستمرار العمل الإداري بكفاءة.
ظل بشير منصور يعمل في مصلحة الغابات حتى عام 1931م، مكتسبًا خبرة عملية أسهمت في تكوين شخصيته الوظيفية، قبل أن يُنقل إلى مصلحة المساحة في العام نفسه.
وقد كان انتقاله بداية مرحلة جديدة في مسيرته، إذ أتاح له العمل في مرفق فني مهم يرتبط بأعمال المسح وإعداد البيانات والخرائط اللازمة للإدارة والتخطيط.
خامسًا: العمل في مصلحة المساحة ومديرية الخرطوم
أمضى الأستاذ بشير منصور محمد نحو سبع سنوات في خدمة مصلحة المساحة، حيث واصل أداء واجباته واكتساب الخبرة في بيئة تجمع بين العمل الفني والإجراءات الإدارية.
وفي الأول من مايو عام 1938م، نُقل إلى مديرية الخرطوم، لتتسع بذلك دائرة خبرته في العمل الحكومي.
وقد تميزت مسيرته بالتدرج بين المؤسسات، وهو ما منحه معرفةً أوسع بطبيعة الإدارة واحتياجاتها، وأكسبه القدرة على التعامل مع متطلبات العمل الكتابي والمراسلات والتنسيق بين الجهات المختلفة.
إن هذه السنوات المبكرة كانت مرحلة تأسيس حقيقية؛ فقد جمع فيها بين التأهيل العلمي والممارسة اليومية، وأثبت أن الكفاءة لا تتحقق بالشهادات وحدها، وإنما تنمو بالخبرة والانضباط والاستعداد لتحمل المسؤولية.
سادسًا: في مديرية النيل الأزرق — كفاءة في العمل والإدارة
في عام 1942م، انتقل الأستاذ بشير منصور محمد إلى السلك الإداري بمديرية النيل الأزرق، بعد حصوله على الدرجة الوظيفية المشار إليها في سيرته بالحرف (H).
وكانت مديرية النيل الأزرق في ذلك الوقت واسعة المساحة، تمتد مناطقها من حدود مديرية الخرطوم جنوبًا إلى مدينة قيسان، وتشمل مناطق واسعة من سهول البطانة، وفقًا لما ورد في السيرة الأصلية.
وقد فرض هذا الامتداد الجغرافي تحديات إدارية كبيرة، خصوصًا في ظل محدودية عدد الموظفين وتعدد المسؤوليات وتباعد المناطق.
وفي هذه الظروف، عمل بشير منصور بصورة مكثفة على تدريب الكتبة والمحاسبين والصيارفة، إلى جانب اضطلاعه بأعمال الترجمة والمهام الكتابية والإدارية.
ولم يكن تدريب الموظفين أمرًا ثانويًا؛ فقد كان وسيلةً لتحسين الأداء، ورفع كفاءة العاملين، وضمان انتظام المعاملات والسجلات في بيئة تتطلب تنظيمًا دقيقًا وتعاونًا مستمرًا.
وعلى الرغم من اتساع المديرية وقلة الكوادر، استطاع الأستاذ بشير، بالتعاون مع عدد محدود من الكتبة، أن يسهم في النهوض بالعمل الإداري في تلك المناطق.
وتكشف هذه المرحلة عن جانب مهم من شخصيته المهنية؛ فقد لم يقتصر دوره على إنجاز ما يُسند إليه، بل امتد إلى نقل المعرفة وتدريب الآخرين والمساعدة على تنظيم العمل.
وهنا تتجلى قيمة الإداري الكفء: أن ينجز واجبه بإتقان، ويعين زملاءه على النجاح، ويترك وراءه عملًا منظمًا قادرًا على الاستمرار.
سابعًا: العمل في جنوب السودان واتساع التجربة
نظرًا لإجادة الأستاذ بشير منصور محمد اللغة الإنجليزية وخبرته في الترجمة، نُقل في الخامس عشر من مايو عام 1945م إلى مديرية بحر الغزال.
وعمل في مجال الترجمة في إدارات الجنوب، في مناطق ارتبطت في السيرة الأصلية ببحر الغزال وبحر العرب، وأمضى هناك نحو ثلاث سنوات.
وقد تطلب العمل في هذه المرحلة معرفةً دقيقة بالمكاتبات الرسمية، وقدرةً على نقل المعاني بين العربية والإنجليزية، إلى جانب الإلمام بأساليب المخاطبات الإدارية.
وفي الأول من مايو عام 1948م، نُقل إلى قسم الترجمة السودانية، حيث تولى وظيفة رئيس كتبة.
وقد جمع في هذه المرحلة بين تخصصه في الترجمة وخبرته في العمل الكتابي، الأمر الذي أتاح له أداء مسؤولياته بكفاءة، والاستفادة من سنوات التجربة التي قضاها في المؤسسات المختلفة.
وكان تنقله بين مناطق السودان المختلفة عاملًا مهمًا في توسيع معرفته بطبيعة العمل الإداري وتنوع احتياجاته، فأصبح يمتلك خبرة تتجاوز حدود تخصص واحد أو مؤسسة واحدة.
ثامنًا: وزارة الداخلية ومكتب العمل — من الخبرة إلى التأسيس
في الأول من يوليو عام 1955م، نُقل الأستاذ بشير منصور محمد إلى وزارة الداخلية، في مرحلة كانت البلاد تستعد فيها لتحولات سياسية وإدارية مهمة.
ثم نُقل، وفقًا للتاريخ الوارد في سيرته، في العاشر من ديسمبر عام 1957م إلى مكتب العمل، حيث تولى وظيفة رئيس مكتب.
ويُعد من الشخصيات التي ارتبط اسمها بتأسيس مكتب العمل والمساهمة في تنظيم أعماله، كما أسهم في الجهود الرامية إلى إنشاء مكاتب للعمل في مديريات السودان المختلفة.
وقد تطلب تأسيس هذه المكاتب وضع إجراءات واضحة، وتنظيم السجلات والمعاملات، وتحديد المسؤوليات، وتوفير كوادر قادرة على إدارة العمل بصورة منتظمة.
ومن هنا تظهر أهمية الدور الذي أداه بشير منصور؛ فقد انتقل من تنفيذ المهام داخل المؤسسات إلى المساهمة في تأسيس مرفق إداري وتوسيع نطاق عمله.
إن بناء المؤسسات لا يتحقق بمجرد الإعلان عن إنشائها، وإنما يحتاج إلى رجال يحولون القرارات إلى واقع عملي، وينظمون الإجراءات، ويؤهلون العاملين، ويتابعون التفاصيل اليومية التي تضمن استمرار العمل.
وقد أسهمت خبرته الطويلة في الترجمة والكتابة والإدارة وتدريب الموظفين في تهيئته لتحمل هذه المسؤولية.
وهكذا أصبحت مسيرته مثالًا للموظف الذي تدرج في العمل، واكتسب الخبرة من ميادين متعددة، ثم وضع ما تعلمه في خدمة تطوير المؤسسات.
تاسعًا: التقاعد ومواصلة العطاء في مشروع سكر الجنيد
أُحيل الأستاذ بشير منصور محمد إلى المعاش في الأول من يناير عام 1962م، بعد سنوات طويلة قضاها في الخدمة العامة.
غير أن التقاعد لم يكن نهاية علاقته بالعمل؛ فقد عاد إلى العمل بمديرية النيل الأزرق مرة أخرى، كما عمل بعد تقاعده مترجمًا بإدارة مشروع مصنع سكر الجنيد.
وكان هذا العمل امتدادًا طبيعيًا لخبرته الطويلة في الترجمة بين اللغتين العربية والإنجليزية، وما اكتسبه من معرفة بالمراسلات الرسمية والإجراءات الإدارية.
وتكشف هذه المرحلة عن قيمة الخبرة المتراكمة؛ فالمعرفة التي اكتسبها بشير منصور في شبابه ظلت نافعة له وللمؤسسات التي عمل فيها، حتى بعد انتهاء خدمته النظامية.
لقد ظل قادرًا على تقديم خبرته في مجال تخصصه، مؤكدًا أن العطاء لا يتوقف عند التقاعد، وأن الإنسان يستطيع أن يواصل خدمة مجتمعه ما دامت لديه القدرة والرغبة في العمل.
عاشرًا: الأستاذ بشير منصور محمد وسجل مؤسسي البنك الزراعي السوداني
ومن المحطات المهمة في سيرته أنه يُذكر ضمن مؤسسي البنك الزراعي السوداني، وأن اسمه وارد في سجل قائمة المؤسسين، بحسب المعلومات المرفقة بسيرته.
وتضيف هذه الإشارة بُعدًا مهمًا إلى مسيرته، إذ تربط اسمه بالمؤسسات ذات الصلة بالاقتصاد الوطني والقطاع الزراعي، الذي ظل يمثل أحد أعمدة الحياة الاقتصادية في السودان.
فالمؤسسات الوطنية لا تقوم بجهود فرد واحد، وإنما تتشكل عبر مساهمات متعددة، يؤدي فيها كل شخص دوره وفق خبرته واختصاصه.
وإذا كانت الوظائف الحكومية قد أتاحت لبشير منصور خدمة الإدارة من داخل مؤسسات الدولة، فإن ورود اسمه في سجل مؤسسي البنك الزراعي السوداني يشير إلى جانب آخر من إسهاماته، يستحق الحفظ والتوثيق ضمن تاريخ الرجل وتاريخ المؤسسة.
إن توثيق أسماء المؤسسين والمحافظة على سجلاتهم جزء من حفظ الذاكرة الوطنية؛ فالأجيال التي تأتي بعدنا تحتاج إلى معرفة الرجال الذين شاركوا في بناء مؤسسات بلادهم، وإلى فهم الجهود التي قامت عليها تلك المؤسسات.
حادي عشر: الأسرة ودور الأستاذة فاطمة بشير في العمل القومي برفاعة
تزوج الأستاذ بشير منصور محمد من السيدة عائشة عبد الله فرح، من منطقة أبو فروع بريف الحصاحيصا، ورزقهما الله ابنتهما الوحيدة، الأستاذة فاطمة بشير.
وقد ورد في المعلومات المرفقة بالسيرة أن للأستاذة فاطمة بشير دورًا في العمل القومي بمدينة رفاعة، وهو جانب يستحق التقدير والتوثيق، لما يمثله من امتداد لارتباط الأسرة بالمجتمع والعمل العام.
فالعمل القومي والاجتماعي يقوم على جهود الأشخاص الذين يخصصون وقتهم وقدراتهم لخدمة مجتمعهم، والمشاركة في المبادرات العامة، وتعزيز روح الانتماء والتعاون.
وإن إبراز دور الأستاذة فاطمة بشير إلى جانب سيرة والدها يضيف بُعدًا إنسانيًا واجتماعيًا إلى هذه السيرة، ويؤكد أهمية توثيق جهود النساء والرجال الذين أسهموا في خدمة مدينة رفاعة.
نسأل الله أن يبارك في عمرها، وأن يمنحها وذريتها الخير والعافية، وأن يجعل أعمال الخير في ميزان حسناتها.
ثاني عشر: رفاعة التي أحبها وقضى فيها بقية عمره
بعد سنوات طويلة من العمل والتنقل بين الخرطوم ومديريات السودان المختلفة، ظل الأستاذ بشير منصور محمد مرتبطًا بمدينة رفاعة، مسقط رأسه وموطن طفولته وذكرياته الأولى.
لقد كانت رفاعة بالنسبة إليه أكثر من مكان للإقامة؛ كانت الجذور التي انطلق منها، والبيئة التي تشكلت فيها شخصيته، والمدينة التي ظلت حاضرة في وجدانه مهما اتسعت ميادين عمله.
وبعد رحلة حافلة بالخبرات والمسؤوليات، عاد إلى مدينته التي أحبها، وقضى فيها بقية عمره حتى توفاه الله في الحادي عشر من يونيو عام 1978م.
وفي هذه العودة معنى جميل من معاني الوفاء؛ فقد خرج ابن رفاعة شابًا يطلب العلم، وسعى في ميادين العمل، وخدم مؤسسات الدولة، ثم عاد إلى المدينة التي شهدت بداياته ليقضي فيها آخر أيامه.
إن بعض المدن لا تغادر وجدان أبنائها مهما ابتعدوا عنها، وتظل حاضرة في نفوسهم بوصفها أصل الحكاية ومنبع الانتماء. وقد كانت رفاعة بالنسبة إلى بشير منصور كذلك؛ مسقط الرأس، وموطن الذكريات، ودار العودة الأخيرة.
ثالث عشر: رفاعة وريادة صناعة الكفاءات
إن الحديث عن الأستاذ بشير منصور محمد يقودنا إلى الحديث عن مدينته رفاعة، التي ارتبط اسمها بالتعليم والنهضة المجتمعية، وقدمت للسودان أجيالًا من المعلمين والإداريين والمثقفين وأصحاب الكفاءات في مختلف المجالات.
لقد كان التعليم أحد أهم المسارات التي أتاحت لأبناء المدينة توسيع آفاقهم والمشاركة في خدمة المجتمع والوطن، كما أسهمت البيئة الاجتماعية التي تقدّر العلم والعمل في تنشئة أجيال تحمل قيم الاجتهاد والمسؤولية.
ولا تُقاس مكانة المدن بمساحاتها أو عدد سكانها فحسب، بل بما تقدمه من كفاءات، وما تزرعه في أبنائها من قيم، وما تتركه من أثر في الحياة العامة.
ورفاعة، بما قدمه أبناؤها وبناتها من إسهامات في التعليم والإدارة والثقافة والعمل المجتمعي، تستحق أن تحفظ تاريخهم وأن تعرف الأجيال الجديدة بسيرهم.
وسيرة بشير منصور واحدة من هذه النماذج؛ فهي تذكرنا بأن خدمة الوطن لا تقتصر على المناصب السياسية أو الظهور العام، بل تشمل أيضًا العمل الإداري المتقن، وتدريب الموظفين، والمشاركة في تأسيس المؤسسات، والالتزام بالواجب طوال سنوات الخدمة.
ومن الوفاء لرفاعة أن تُوثق سير أبنائها وبناتها من مصادر دقيقة، وأن تُقدم للأجيال في صورة تجمع بين جمال السرد وصحة المعلومات، حتى تبقى هذه النماذج منارات تهدي إلى العلم والعمل والإخلاص.
رابع عشر: خلاصة السيرة ودروسها للأجيال
إن مسيرة الأستاذ بشير منصور محمد تكشف عن رجل بدأ حياته في مدينة رفاعة، في زمن كانت فيه فرص التعليم محدودة، ثم سعى إلى مواصلة دراسته في الخرطوم، وتخصص في الترجمة، وانتقل إلى ميادين العمل الإداري، متنقلًا بين عدد من المصالح والمديريات.
وقد جمع في تجربته بين التأهيل العلمي والخبرة العملية، وأسهم في تدريب الكتبة والمحاسبين والصيارفة، وعمل في الترجمة والإدارة، وارتبط اسمه بتأسيس مكتب العمل والمشاركة في توسيع نطاقه، كما تشير سيرته إلى مساهمته في تأسيس البنك الزراعي السوداني.
وبعد إحالته إلى المعاش، واصل العمل مترجمًا بإدارة مشروع مصنع سكر الجنيد، ثم عاد إلى مدينته رفاعة التي أحبها، وقضى فيها بقية عمره حتى وفاته عام 1978م.
ومن هذه الرحلة نستخلص قيمًا جديرة بأن تنتقل إلى الأجيال:
قيمة العلم: فالتعليم يفتح أمام الإنسان أبواب المعرفة والعمل وخدمة المجتمع.
قيمة التخصص: فإتقان المهنة يجعل العلم نافعًا، ويمنح صاحبه القدرة على أداء واجباته بكفاءة
.
قيمة الانضباط والأمانة: فنجاح المؤسسات يقوم على احترام المسؤولية وحسن أداء الواجب.
قيمة الإدارة والتدريب: فالموظف المتميز لا ينجز عمله فقط، بل يساعد على تطوير زملائه وتنظيم العمل.
قيمة الوفاء: فمهما اتسعت ميادين العمل، تبقى الجذور والانتماء إلى الوطن والمدينة جزءًا أصيلًا من هوية الإنسان.
إن أمثال هؤلاء الرجال يستحقون أن تُحفظ سيرهم؛ لأن بناء الوطن لا يتحقق بالأحداث الكبرى وحدها، بل يتكامل بجهود الذين يخلصون في أعمالهم، ويطورون مؤسساتهم، ويتركون وراءهم أثرًا نافعًا.
الخاتمة: رجال يرحلون وتبقى آثارهم
رحل الأستاذ بشير منصور محمد عن دنيانا في الحادي عشر من يونيو عام 1978م، بعد حياة حافلة بالتعلم والعمل والخبرة، تنقل خلالها بين مؤسسات الدولة، وأسهم في ميادين الترجمة والإدارة والتدريب، وظل وفيًا لمدينته التي أحبها حتى عاد إليها ليقضي فيها بقية عمره.
لم تكن قيمة سيرته في وظيفة واحدة أو منصب منفرد، بل في سنوات من العمل المتواصل، وفي ما اكتسبه من خبرة، وما قدمه من إسهامات في خدمة المؤسسات، وما تركه من مثال للموظف الذي يجعل من واجبه مسؤوليةً ومن خبرته وسيلةً للنفع العام.
رحم الله الأستاذ بشير منصور محمد رحمةً واسعة، وغفر له، وأنار قبره، وجعل ما قدمه من علم وعمل وخدمة للناس في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته.
وإلى أحفاده: اجعلوا من سيرة جدكم نبراسًا يضيء طريقكم، وتمسكوا بقيم العلم والانضباط والأمانة والإخلاص، واجعلوا خدمة الناس والوطن امتدادًا لما قدمه من عطاء.
وإلى أبناء رفاعة جميعًا: احفظوا سير الأفذاذ من أبناء مدينتكم وبناتها، وعرّفوا الأجيال الجديدة برجالها ونسائها الذين خدموا السودان ورفعوا اسم رفاعة بالعلم والعمل. اقتدوا بأهل الكفاءة والإخلاص، واجعلوا من تاريخ مدينتكم مصدر فخر وإلهام لبناء مستقبل أفضل.
رحم الله من رحلوا، وبارك فيمن بقي، وحفظ رفاعة وأهلها، وحفظ السودان وأهله، وجعل أيامه القادمة أيام سلام وأمن وازدهار.
إنا لله وإنا إليه راجعون
