دكينيات | دكتور عصام دكين | في السودان كلما تعلمت تألمت

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور عصام دكين | في السودان كلما تعلمت تألمت
دكينيات حزينة (2067)
في السودان كلما تعلمت تألمت
دكتور عصام دكين 19أكتوبر 2026م
في السودان لا نبكي على الميت مرة واحدة.
نبكيه ثلاث مرات.
مرة حين يموت بالرصاص،
ومرة حين يسرق بيته وهو ميت،
ومرة حين يقولون لنا إن الذي قتله “عرب شتات” لا نعرفهم.
في السودان كلما تعلمت تألمت.
تعلمت أن النهود عريقة، فذهبت أبحث عن عراقتها، فوجدتها بلا ماء، بلا كهرباء، بلا مدرسة فنية واحدة تليق بثروتها التي تطعم العالم.
وجدت أبناءها يحملون البنادق بدل المحاقن البيطرية، لأن نخبها النرجسية – الدرديري وآدم رحمة نموذجا – بنت بيوتها في الخرطوم وتركت النهود تبكي وحدها.
تعلمت أن سنار هي السكر، فذهبت أبحث عن السكر، فوجدت المصنع محروقا، والمزارع مهجورا، والذي أحرقه ليس غريبا قادما من النيجر، بل ابن جارنا الذي سكن معنا خمسين عاما، أكل معنا الملح والملاح، ثم عاد ليلة 15 أبريل ليأخذ التلفزيون والذهب ويقول لنا “أنتم عوين”.
في السودان كلما قرأت أكثر، عرفت أننا ضحايا مرتين.
مرة ضحايا الخليفة عبدالله التعايشي قبل مئة عام حين بقر بطون جداتنا الضباينة،
ومرة ضحايا أحفاده اليوم حين أعادوا نفس الجهدية بكاميرا موبايل حديثة.
نحن أهل اليعقوباب، أهل التكية والسبحة واللالوبة والنوبة.
لا نعرف القتل.
نعرف كيف نستقبل المشرد.
فاحتضنا الضباينة حين شردهم التعايشي، فأصبحوا منا.
واحتضنا أبناء دارفور وكردفان حين جاؤوا يبحثون عن رزق قبل خمسين عاما، فزوجناهم بناتنا.
ثم…
ثم جاء يوم ونهبونا.
ليس عرب شتات.
بل نحن نعرف الوجوه والسحنات واللهجات.
في السودان كلما تعلمت تألمت لأنك ترى الخريطة قبل أن يراها الناس.
أمس عرض نتنياهو خريطة وفيها السودان مقسم إلى مليشيات ملونة.
الدعم السريع بلون أزرق صديق لإسرائيل والإمارات.
والجيش بلون أخضر مع مصر والسعودية.
والسودان كله مقسم كما قسمت سوريا واليمن وليبيا والعراق.
ضحكنا قبل عامين حين كتبنا أن محمد صالح النظيف التشادي يدير مشروع توطين بدعم الموساد.
قالوا لنا: أنتم مجانين نظرية المؤامرة.
واليوم يخرج نتنياهو نفسه ويقولها: نعم، الدعم السريع صديقنا.
كلما تعلمت تألمت لأنك تصرخ مبكرا ولا يسمعك أحد.
تصرخ: علموا أولادنا صنعة، مدرسة فنية، كلية بيطرية، حتى لا يحملوا السلاح.
فيقولون لك: أنت عنصري.
تصرخ: لا تسموهم عرب شتات، واجهوا الحقيقة، حاسبوا المجرم.
فيقولون لك: أنت تزرع الفتنة.
ثم بعد سنتين، يبكون على اللبن المسكوب في تسجيل بائس من القاهرة أو الدوحة عن سقوط النهود.
يا الله.
في السودان كلما تعلمت تألمت، وكلما جهلت صفقت.
الجاهل يصفق للدعم السريع اليوم، ويصفق للجيش غدا، ويصفق لأي أحد يعطيه بندقية.
أما المتعلم فيجلس وحيدا في مكان ما، يكتب دكينيات لا يقرأها إلا الموجوعون مثله،
يكتب عن تعليم تقني لا يأتي،
وعن وطن كان يمكن أن يكون،
وعن أولاد كان يمكن أن يكونوا فنيين وممرضين ومهندسين،
فأصبحوا جنجويدا.
في السودان الحزن ليس شعورا.
الحزن هو الوطن نفسه…..
دكتور عصام دكين



