من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | سُلَيْمَان سُلَيْمَان كَشّة عَبْدُالسَّلَام | الأديب والصحفي وراوي الذاكرة السودانية

صوت الشارع
شخصيات سودانية
من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | سُلَيْمَان سُلَيْمَان كَشّة عَبْدُالسَّلَام | الأديب والصحفي وراوي الذاكرة السودانية
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
رفاعة والبيئة التي أنجبت الرجل
كانت رفاعة في مطلع القرن العشرين واحدة من البيئات السودانية التي ازدهرت فيها حركة العلم والتعليم والثقافة، وتلاقت فيها حلقات العلماء مع بدايات التعليم الحديث، فغدت موطناً لعدد من المعلمين والمثقفين والأدباء وأهل الإصلاح.
وفي هذه البيئة نشأ سليمان سليمان كشة عبدالسلام، وتفتحت باكورة معارفه، قبل أن تأخذه الحياة إلى مدن سودانية أخرى، في رحلة كوّنت شخصيته وجعلت منه لاحقاً معلماً وأديباً وصحفياً وناشطاً وطنياً وراوياً للذاكرة السودانية.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
الميلاد والنشأة — 1892م
وُلد سليمان سليمان كشة عبدالسلام عام 1892م.
وكان والده سليمان كشة أميراً لراية من رايات سكان أم درمان إبان المهدية، واستشهد في معركة كرري، التي كانت من أعنف معارك تاريخ السودان الحديث، وسقط فيها آلاف السودانيين، وانتهت بوقوع البلاد تحت السيطرة البريطانية المصرية.
وقد نشأ سليمان في أسرة عُرفت بالتجارة، وفي بيت حملت ذاكرته آثار تلك المرحلة المضطربة من تاريخ السودان، الأمر الذي ترك في نفسه صلة مبكرة بتاريخ البلاد وأحوالها.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
التعليم الأول في رفاعة
تلقى سليمان كشة تعليمه الأولي في رفاعة، وكان من أساتذته الشيخ بابكر بدري، أحد رواد التعليم في السودان.
وكانت هذه المرحلة أساس تكوينه العلمي؛ ففيها عرف قيمة التعليم، وتعرّف إلى بيئة رفاعة العلمية التي كان لها أثر واضح في تكوين عدد من أبناء السودان في تلك الفترة.
ثم اتسعت دائرة حياته خارج رفاعة، فانتقل بين عدد من المدن والمناطق، مستفيداً من طبيعة عمل أسرته في التجارة.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
بين المدن واتساع التجربة — حتى 1917م
تنقل سليمان كشة بين رفاعة وود مدني والحصاحيصا وسواكن، وأتاح له هذا التنقل أن يرى السودان من زوايا متعددة، وأن يلتقي بالمتعلمين والمثقفين والموظفين.
ومع مرور الوقت لم تعد اهتماماته مقصورة على التجارة، وإنما أخذت ميوله الأدبية والفكرية والوطنية في الظهور، وأصبح أكثر اتصالاً بالوسط المتعلم وبالقضايا العامة التي كانت تشغل البلاد.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
بداية النشاط الوطني — 1917م وما بعدها
في عام 1917م اتصل سليمان كشة بمجموعة من المتعلمين والمثقفين والموظفين، كما اتصل ببعض الجمعيات السرية المناهضة للاستعمار.
وكانت تلك الفترة من البدايات المهمة للحركة الوطنية الحديثة في السودان، حيث أخذ المتعلمون يبحثون عن وسائل لمقاومة الاستعمار وبناء الوعي العام.
وفي هذا المناخ برز نشاط سليمان كشة، فلم يكن بعيداً عن التيار الوطني الذي كان يتشكل آنذاك.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
السجن ثم العودة إلى الصحافة
لفت نشاطه الوطني أنظار سلطات الاحتلال، فتربص به الإنجليز ودبروا له مكيدة أودع على إثرها السجن.
وبعد خروجه لم يتراجع عن اهتمامه بالشأن العام، بل اتجه بصورة أوضح إلى الصحافة، فأصدر مجلة «مرآة السودان»، لتكون الصحافة واحدة من أهم الوسائل التي عبّر من خلالها عن أفكاره واهتمامه بقضايا المجتمع والوطن.
ومن هنا بدأ اسمه يبرز في الوسط الثقافي والصحفي إلى جانب حضوره الوطني.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
نادي الخريجين وجمعية اللواء الأبيض
واصل سليمان كشة نشاطه في المجال الوطني، وكان عضواً مؤسساً لنادي الخريجين، كما كان عضواً في جمعية اللواء الأبيض.
وتكشف هذه المشاركة عن موقعه بين المتعلمين والمثقفين الذين حملوا همّ القضية الوطنية في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان.
فقد جمع في هذه المرحلة بين العمل العام والصحافة والثقافة، وهي المجالات التي ستظل متداخلة في مسيرته حتى سنواته الأخيرة.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
الزواج وقصة «قوم نادي عنان» — 1925م
في عام 1925م تزوج سليمان كشة، وأقيم زواجه في رفاعة، وحضر المناسبة عدد كبير من المثقفين والوطنيين والأدباء.
ومن أجمل الحكايات التي بقيت مرتبطة بهذه المناسبة قصة الشاعر خليل فرح.
فقد خرج خليل فرح من أم درمان قاصداً رفاعة لحضور الزواج، وكان ينوي أن يمر عبر الحصاحيصا ثم يستقل المركب إلى رفاعة. لكنه لم ينتبه إلى محطة الحصاحيصا، فواصل القطار سيره حتى بلغ ود مدني، فضاعت عليه فرصة حضور المناسبة.
ومن هذه الواقعة جاءت قصيدته الشهيرة «قوم نادي عنان»، التي أصبحت من أشهر النصوص الغنائية المرتبطة برفاعة وباسم سليمان كشة، وغناها لاحقاً عدد من الفنانين، ومن أشهرهم بادي محمد الطيب.
«قوم نادي عنان»
قوم نادى عنان واتباعه
وقفل حوانيت الباعه
نزلت للدنيا شفاعه
وسعت أم درمان لرفاعه
وطن الآباء يا أم طاعه
أجمة ومشهوره سباعه
من دون أترابا مطاعه
حضريه تقول فى طباعه
المجد الحاسده مداعى
هو أساس الما بتداعى
وسعت أسلافنا وداعه
وصارت فى جيلنا بداعه
رفعت أعلاماً رفاعه
وشمخت بى كبارنا يفاعه
وطن السناب يا رباعه
نزل العربان فى رباعه
هنا تلقى الخلق الأعرابى
لا خوف لا ضيم لا مرابى
ظل الشكرية الكابى
والشرف الأصله ركابى
هنا روعة عصراً ولى
وروايع جيلنا الهله
عصبية تناطح الجله
ومدينة منافيه الزله
إياك يا عاشق تحرق
فى بحور أوصافك تغرق
هى شامه فى تورنا الأبرق
هى جنة نيلنا الأزرق
فى ربوعا الصيد إن وقل
وشافن مجنون يتعقل
كفروع البان تتنقل
رطب القاماتن فقل
الصيد الضارب الوادى
أجفل نافـر غادى
شرفن لى صوت الحادى
حفلن ضماهن نادى
العز من حاضر وبادى
حرَسن ما جاهن عادى
النور فى خدودن بادى
وسلامة الذوق شى عادى
لا تنسى ليالى العشه
وفى الحله هبوب الرشه
إتعشى عشاك واتمشى
هوا بيت المال ما انفش
اعذرنى أخوك إنغش
لا اتعد هواك لا كَش
أذكرنى ولو بى قشه
بيت مال وعيال يا كشه
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
أسرة كشة في خدمة رفاعة والمجتمع
ارتبط اسم كشة في رفاعة بحضور اجتماعي وثقافي امتد إلى أكثر من مجال، فلم يكن دور الأسرة محصوراً في التجارة.
ومن أبرز الوجوه التي أسهمت في خدمة المجتمع:
الأستاذ المعلم فاروق كشة، الذي ارتبط بالتعليم، وبمطبعة كشة برفاعة التي أسهمت في خدمة العلم والمعرفة والنشر.
الأستاذ محمد عمر كشة، الذي عُرف بالتعليم والتربية.
الأستاذة درية كشة، التي أسهمت في مجال التعليم.
الشيخ عزالدين كشة، الذي عُرف بالوعظ والإرشاد.
وهكذا كان حضور الأسرة في رفاعة متنوعاً، يجمع بين التعليم والدعوة والثقافة والتجارة وخدمة المجتمع.
وامتد حضور الأسرة كذلك إلى القضارف، حيث أسهم أفرادها في خدمة التعليم والمجتمع والرياضة، كما كان لها حضور في العاصمة ضمن امتداد الأسرة في الحياة السودانية العامة.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
الأديب ومحب الشعر
كان سليمان كشة محباً للأدب والشعر، ولم يكن اهتمامه بالكتابة منفصلاً عن اهتمامه بتاريخ المجتمع السوداني.
ومن الأعمال التي ارتبط اسمه بها كتاب «نسمات الربيع»، الذي جاء بما يحويه من مادة وحقائق ليضيف إلى المكتبة السودانية.
وقد جعل من الكتابة وسيلة للتعبير عن مشاهداته وتجربته، وحفظ صور من الحياة السودانية التي عاصرها.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
«سوق الذكريات» وتوثيق التاريخ
خلال فترة حكم الرئيس إبراهيم عبود كتب سليمان كشة فصولاً بعنوان «سوق الذكريات» في صحيفة الثورة.
ولقيت هذه الكتابات اهتماماً، ثم جُمعت في كتاب حمل الاسم نفسه: «سوق الذكريات».
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه لم يقدم التاريخ بوصفه أحداثاً مجردة، وإنما استعاد الأشخاص والأمكنة والوقائع من خلال ذاكرة رجل عاش جانباً مهماً من تلك الحقبة.
ولهذا ارتبط اسم سليمان كشة بالتوثيق، وأصبحت كتاباته مادة مهمة للمهتمين بتاريخ السودان السياسي والاجتماعي والثقافي.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
السنوات الأخيرة — حتى 1960م
استمر سليمان كشة في عطائه الفكري والأدبي، وظل قريباً من الكتابة والتوثيق حتى السنوات الأخيرة من حياته.
وقد ترك وراءه سجلاً متنوعاً من العمل في التعليم والصحافة والأدب والوطنية والتوثيق، فضلاً عن علاقاته الواسعة بالمثقفين والأدباء الذين عاصروه أو عرفوه عن قرب.
وفي عام 1960م رحل سليمان كشة إلى رحمة مولاه، بعد حياة امتدت قرابة سبعة عقود، شهد خلالها تحولات كبرى في تاريخ السودان.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
بقاء الأثر
لم يتوقف حضور سليمان كشة عند وفاته، فقد بقي اسمه في الكتب والذكريات، وفي شهادات من عرفوه وتعلموا على يديه، كما بقي مرتبطاً بتاريخ الصحافة والأدب والحركة الوطنية السودانية.
ومن مظاهر تخليد اسمه إطلاق اسمه على شارع سليمان كشة في العاصمة الخرطوم، ليظل اسمه حاضراً في فضاء المدينة إلى جانب ما تركه من أثر مكتوب.
وهكذا امتد أثر الرجل من رفاعة التي شهدت بداياته، إلى مدن السودان التي عاش وتنقل بينها، ثم إلى ذاكرة العاصمة والوطن كله.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
تعقيب ووفاء
إن قيمة سيرة الأستاذ الجليل سليمان سليمان كشة عبدالسلام لا تكمن في تعدد المجالات التي عمل فيها فحسب، وإنما في قدرته على الجمع بينها في شخصية واحدة.
فقد بدأ من رفاعة، في بيئة علمية وثقافية كان لها أثرها في تكوينه، ثم اتسعت تجربته بالتنقل والاحتكاك بالمجتمع، وانخرط في العمل الوطني، وخاض تجربة السجن، واتجه إلى الصحافة، وشارك في الحياة الوطنية، ثم ترك جانباً مهماً من ذاكرة السودان في كتاباته.
ويبقى اسمه كذلك مرتبطاً بقصة أدبية وفنية جميلة خلّدتها قصيدة «قوم نادي عنان»، التي تجاوزت مناسبة الزواج لتصبح تحية شعرية لرفاعة وأهلها، وجزءاً من الذاكرة الغنائية السودانية.
لقد كان سليمان كشة أستاذاً وأديباً وصحفياً ووطنياً وموثقاً للتاريخ، ولذلك فإن استعادة سيرته ليست استعادة لشخصية من الماضي فحسب، وإنما هي استعادة لمرحلة كاملة من تاريخ السودان، ولجيل آمن بأن العلم والكلمة والعمل الوطني يمكن أن تكون جميعاً وجوهاً لخدمة الوطن.
رحم الله الأستاذ الجليل سليمان سليمان كشة عبدالسلام، رحمة واسعة، وغفر له، وجزاه عن العلم والأدب والوطن خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علمٍ وعملٍ وذكرٍ طيب في ميزان حسناته، وأبقى أثره في الأجيال من بعده.
✦━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━✦
سليمان كشة… من رفاعة بدأ الطريق، وفي ذاكرة السودان بقي الأثر.

