شخصيات سودانيةمن رفاعة

من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | الأستاذ : عبد الرازق عبد الغفار | فارس التربية الجمالية وحارس التراث السوداني

صوت الشارع

شخصيات سودانية

من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | الأستاذ : عبد الرازق عبد الغفار | فارس التربية الجمالية وحارس التراث السوداني

(1918م – 2013م)

🎨 من رفاعة الوادعة انطلقت مسيرة أحد أعلام التربية والفنون في السودان

من مدينة رفاعة الوادعة، مدينة العلم والمعرفة والثقافة والأدب والفنون، انطلقت مسيرة أحد أعلام التربية والفنون في السودان؛ الأستاذ والفنان التشكيلي والنحّات الرائد عبد الرازق عبد الغفار.

حين التقت ريشة الفنان برسالة المربي، اجتمعت في شخصيته رسالة التعليم مع إبداع الفن، فترك بصمة خالدة في مسيرة التربية الفنية، وفي الذاكرة الثقافية والفنية السودانية.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ النشأة والتعليم ✦

وُلِد الأستاذ عبد الرازق عبد الغفار في مدينة رفاعة عام 1918م، وتلقى تعليمه الأولي بها، ونشأ في بيئة كان للعلم والتعليم والحرف والفنون حضور واضح فيها.

وفي عام 1937م التحق بكلية غردون التذكارية، وتخرّج فيها، ثم بدأت رحلته في مجال التعليم والفنون، ليرتبط لاحقاً بمعهد بخت الرضا، الذي كان من أهم المؤسسات التعليمية والتربوية في تاريخ السودان الحديث.

وقد أسهمت تلك البيئة التعليمية في صقل موهبته، وترسيخ رؤيته التي جمعت بين التربية والفن والجمال.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ رحلة العلم والتخصص ✦

واصل عبد الرازق عبد الغفار رحلته العلمية خارج السودان، فدرس الفنون وطرق التدريس في القاهرة، ثم ابتُعث إلى لندن عام 1945م، حيث تخصص في طرق تدريس الفنون.

وأتبع ذلك بدراسة فن النحت، ليصبح من أوائل السودانيين الذين تلقوا تدريباً أكاديمياً متخصصاً في هذا المجال.

كما أتيح له التدريب في فلورنسا بإيطاليا على يد النحات الإيطالي ڤنتورينو ڤنتوري، وهي تجربة أضافت إلى تكوينه الفني وأثرت تجربته الإبداعية.

وبذلك أصبح من الرواد الذين أسهموا في ترسيخ الفن التشكيلي والنحت والتربية الفنية والجمالية في السودان.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ المربي ورائد التربية الفنية ✦

جمع عبد الرازق عبد الغفار بين الفن والتربية، ولم يكن يرى الفن مجرد ممارسة جمالية، وإنما وسيلة تربوية وثقافية لبناء الإنسان وتنمية إحساسه بالجمال.

عمل في مجال التعليم، وتدرج في عدد من المواقع التربوية والإدارية، ومن أبرزها عمله عميداً لمعهد التربية بالدلنج.

كما تولى مواقع أخرى في جهاز التعليم، وعمل مفتشاً أول للتعليم بمديرية الخرطوم، ثم مساعداً لوكيل وزارة التربية والتعليم.

وبعد إحالته إلى المعاش عام 1974م، لم يتوقف عطاؤه، بل واصل العمل مدرساً متعاوناً بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية حتى عام 1978م.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ بخت الرضا… مدرسة صنعت الوعي الجمالي ✦

ارتبط اسم عبد الرازق عبد الغفار بمعهد بخت الرضا، تلك المؤسسة التي لعبت دوراً تاريخياً في إعداد المعلمين وتطوير التعليم السوداني.

وكان للمعهد دور مهم في نشر الفنون والموسيقى والمسرح والرسم والنحت والتصوير، وهي مجالات كان عبد الرازق أحد المساهمين في ترسيخها داخل البيئة التعليمية السودانية.

وفي بخت الرضا التقى بجيل من المربين والمبدعين الذين كان لهم أثر كبير في تشكيل الوعي الثقافي والفني في السودان، ومن بينهم إبراهيم الصلحي وعثمان وقيع الله وغيرهما من رموز الحركة الفنية والثقافية السودانية.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ إسهاماته في الفنون الشعبية وحفظ التراث ✦

امتد اهتمام عبد الرازق عبد الغفار إلى التراث السوداني والفنون الشعبية، فلم يكن الفن بالنسبة إليه مجرد لوحات ومنحوتات، وإنما كان وسيلة لحفظ الذاكرة والهوية.

أسهم بجهد مقدر في تأسيس فرقة الفنون الشعبية السودانية، كما كان له دور بارز في التعريف برقصة الكمبلا وإدخالها ضمن منظومة الرقصات الشعبية السودانية.

وقد جاء اهتمامه بالفنون الشعبية انطلاقاً من إيمانه بأن التراث الثقافي السوداني ثروة ينبغي توثيقها وصونها ونقلها إلى الأجيال.

وهكذا جمع في مشروعه بين الفن الحديث والتراث الشعبي، وبين الإبداع والتوثيق.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ الفنان الشامل ✦

كان عبد الرازق عبد الغفار فناناً شاملاً، فلم تقتصر تجربته على النحت وحده.

فإلى جانب كونه نحاتاً ورساماً ومُلوّناً، اهتم بـ التصميم والعمارة وتصميم الأثاث، وكتب في مجال الفنون والتربية الجمالية.

وكان قبل ذلك كله معلماً ومربياً من طراز فريد.

وقد عُرفت تجربته بعمق النظرة إلى الأشياء، وبقدرته على الربط بين الجمال وحياة الإنسان والمجتمع.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ مؤلفاته وإسهاماته الفكرية ✦

📚 «فلسفة التربية الجمالية»

من أبرز إسهامات الأستاذ عبد الرازق عبد الغفار كتابه «فلسفة التربية الجمالية»، الذي عكس رؤيته العميقة لدور الجمال والفنون في العملية التربوية، وأهمية التربية الجمالية في بناء شخصية الإنسان وتنمية الذوق والإحساس بالجمال.

وقدّم من خلاله رؤية تربوية وفنية نابعة من خبرته الطويلة في التعليم والفنون، ليظل الكتاب شاهداً على فكره وإسهامه في ترسيخ مفهوم التربية الفنية والجمالية في السودان.

📚 «نشأة الفنون الجميلة والتطبيقية في السودان»

كما ترك للمكتبة السودانية كتابه المهم «نشأة الفنون الجميلة والتطبيقية في السودان»، الذي تناول فيه بدايات الفنون الجميلة والتطبيقية وتطورها في السودان، موثقاً جانباً من مسيرة الحركة الفنية والتعليمية، ودور المؤسسات التعليمية والمبدعين السودانيين في نشر الفنون وتطويرها.

ويكتسب الكتاب أهمية خاصة باعتباره إسهاماً في حفظ وتوثيق جانب من تاريخ الفن السوداني للأجيال القادمة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ رفاعة… مدينة العلم والثقافة والفن والأدب ✦

ولأن الأستاذ عبد الرازق عبد الغفار وُلِد في رفاعة، فإن سيرته تفتح لنا نافذة على مدينة كان لها حضور بارز في تاريخ التعليم والثقافة السودانية.

فرفاعة لم تكن مجرد مدينة على ضفاف النيل الأزرق، وإنما كانت منارة للعلم والتعليم، وحاضنة للأدب والثقافة والفنون.

ومن مدارسها ومجالسها العلمية والثقافية خرجت أجيال من المعلمين والأدباء والمثقفين والمبدعين، وانتشر أثرهم في مختلف أنحاء السودان.

وفي مثل هذه البيئة نشأ عبد الرازق، فالتقى في شخصيته المعلم بالفنان، والمربي بالمبدع، والثقافة بالفن.

ولذلك فإن الاحتفاء به هو احتفاء أيضاً بذاكرة رفاعة وإسهامها في صناعة الحركة التعليمية والفكرية والفنية في السودان.

رفاعة التي أنجبت رجال العلم والأدب والفن، تستحق أن تُذكر دائماً بوصفها واحدة من الحواضن المهمة للوعي السوداني.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ العودة إلى رفاعة ✦

وعقب تقاعده عاد الأستاذ عبد الرازق عبد الغفار إلى مسقط رأسه رفاعة، ليستقر بداره في ديم لطفي على ضفاف النيل الأزرق.

وهناك وجد في جمال الطبيعة والنيل والبيئة المحيطة به مصدراً متجدداً للتأمل والإلهام.

وواصل اهتمامه بالفن، وترك إرثاً ثرياً من اللوحات والمنحوتات التي تشهد على موهبته الفذة ورؤيته الجمالية العميقة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ الرحيل ✦

رحل الأستاذ والفنان التشكيلي والنحّات عبد الرازق عبد الغفار في التاسع والعشرين من مارس عام 2013م، بعد حياة حافلة بالعطاء امتدت لنحو خمسة وتسعين عاماً.

رحل بعد أن ترك أثراً واضحاً في ميادين التربية والفنون والثقافة والتراث، تاركاً للأجيال سيرة مضيئة وإنجازات باقية.

رحل الجسد، وبقيت أعماله وأفكاره وتلاميذه وكتاباته شاهدة على رجل جعل من التربية والفن والجمال رسالة حياة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ تعقيب ✦

إن سيرة الأستاذ عبد الرازق عبد الغفار ليست سيرة فنان ونحّات فحسب، وإنما هي صفحة مضيئة من تاريخ التربية الفنية والثقافة السودانية.

كان من الرواد الذين آمنوا بأن الفن يمكن أن يكون وسيلة لبناء الإنسان، وأن التربية الجمالية ليست ترفاً، وأن التراث الشعبي جزء أساسي من هوية الوطن وذاكرته.

وما يزيد هذه السيرة جمالاً أن صاحبها وُلِد في رفاعة، تلك المدينة التي ظل اسمها مرتبطاً بالعلم والتعليم والثقافة والأدب والفنون.

ومن الوفاء لهذا الرائد ولأمثاله أن تُوثق سيرتهم، وأن تُحفظ أعمالهم، وأن تعرف الأجيال الجديدة أن السودان أنجب قامات أسهمت في بناء نهضته الثقافية والفنية والتربوية.

فرفاعة لم تكن حاضنة للعلم وحده، بل كانت حاضنة للموهبة والإبداع، ومشهداً من مشاهد صناعة الوعي السوداني.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✦ دعاء بالرحمة والمغفرة ✦

🤲 رحم الله الأستاذ عبد الرازق عبد الغفار رحمةً واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته.

اللهم اجزه خير الجزاء عما قدم لوطنه وأبنائه وتلاميذه، واجعل علمه وفنه وتربيته وعطاءه في ميزان حسناته.

اللهم أنر قبره، ووسع مدخله، وآنس وحشته، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وارفع درجته في المهديين.

اللهم احفظ ذكراه الطيبة، واجعل ما تركه من علم وفن وتراث صدقةً جاريةً له، وارحم جميع موتى المسلمين.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

رحم الله الأستاذ عبد الرازق عبد الغفار، أحد أبناء رفاعة الذين حملوا رسالة العلم والفن والجمال، وتركوا أثراً يستحق أن يبقى حاضراً في ذاكرة السودان.

✦ رفاعة… حين يكون العلم والفن ذاكرة وطن ✦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى