مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | العودة إلى الأرض… بين الخوف المشروع وضرورة استعادة الوطن

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | العودة إلى الأرض… بين الخوف المشروع وضرورة استعادة الوطن

ليس كل من تأخر في العودة إلى أرضه جبانًا، وليس كل من عاد إليها متهورًا. فبين الخوف الذي فرضته الحرب، والرغبة في استعادة الوطن، تقف ملايين الأسر السودانية أمام قرار هو الأصعب في حياتها: هل تعود إلى ما تبقى من الديار، أم تنتظر حتى تزول كل المخاطر؟ إنها معادلة لا تُحسم بالشعارات، بل بقراءة واعية للواقع، وبمسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمواطن.

لقد غيّرت الحرب وجه السودان، ولم تكتفِ بتدمير المباني، بل ضربت شعور الإنسان بالأمان. فمن فقد منزله، أو فقد أحد أفراد أسرته، أو عاش النزوح واللجوء، لا يمكن أن يُطلب منه أن يتجاوز كل ذلك بجملة واحدة: “عودوا”. فالعودة ليست رحلة جغرافية، وإنما رحلة نفسية واقتصادية واجتماعية تحتاج إلى مقومات حقيقية.

ومع ذلك، فإن بقاء الناس بعيدًا عن أرضهم إلى أجل غير معلوم يحمل هو الآخر ثمنًا باهظًا. فالأرض التي تُترك بلا أصحاب تتراجع فيها التنمية، والمزارع التي لا تُزرع تقلل الإنتاج، والمدارس التي لا تُفتح تضيع معها أعوام من عمر الأطفال، والأسواق التي لا تعمل يزداد فيها الركود، وتتعطل دورة الاقتصاد.

السودان اليوم لا يخوض معركة استعادة المدن فقط، بل يخوض معركة استعادة الحياة نفسها. فالدول لا تُبنى بالجيوش وحدها، وإنما يبنيها المعلم في مدرسته، والطبيب في مستشفاه، والمزارع في حقله، والمهندس في موقع عمله، والتاجر في سوقه، وكل مواطن يختار أن يكون جزءًا من مشروع التعافي.

لكن من الخطأ أيضًا أن تتحول الدعوة إلى العودة إلى خطاب يتجاهل الواقع. فالمواطن من حقه أن يسأل: هل الطرق آمنة؟ هل المياه والكهرباء متوفرتان؟ هل المستشفيات تعمل؟ هل المدارس قادرة على استقبال أبنائنا؟ وهل هناك ضمانات تحمي الأرواح والممتلكات؟ هذه ليست أسئلة تعرقل العودة، بل هي أسئلة ينبغي أن تدفع الدولة إلى تقديم حلول واضحة وخطط عملية.

إن إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت وحده، وإنما تبدأ بإعادة بناء الثقة. فحين يشعر المواطن أن الدولة حاضرة بخدماتها، وأن القانون يحميه، وأن هناك رؤية واضحة للمستقبل، تصبح العودة قرارًا منطقيًا لا مغامرة مجهولة.

كما أن على المجتمع أن يتجاوز ثقافة انتظار الحلول من الآخرين. فإعادة بناء السودان لن تتحقق بجهد الحكومة وحدها، ولن ينجزها المجتمع الدولي وحده، بل تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمغتربين، والشباب الذين يمتلكون القدرة على تحويل الأزمات إلى فرص.

إن أكبر خطر يواجه السودان اليوم ليس فقط ما خلفته الحرب، بل أن يتحول الخوف إلى حالة دائمة تشل الإرادة، وتؤجل كل مشروع، وتقتل روح المبادرة. فالأمم التي نهضت بعد الحروب لم تكن أوضاعها مثالية، لكنها امتلكت إرادة البدء، ووضعت خططًا واقعية، وبدأت بما هو ممكن حتى وصلت إلى ما كان يبدو مستحيلًا.

وفي المقابل، فإن العودة يجب أن تكون منظمة ومدروسة، تُعطى فيها الأولوية للمناطق الأكثر استقرارًا، مع توفير الخدمات الأساسية، وإزالة المخلفات الخطرة، وإعادة تشغيل المرافق العامة، حتى يشعر المواطن بأن عودته ليست مجرد استجابة لنداء عاطفي، بل خطوة آمنة نحو مستقبل أفضل.

إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة. فإما أن تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى مشروع وطني لإعادة البناء، يقوم على التخطيط والشفافية والعدالة، وإما أن يظل الوطن أسير الخوف والانتظار، بينما تتآكل الفرص عامًا بعد عام.

وفي النهاية، فإن الوطن لا يُستعاد بالحنين وحده، ولا بالخطب الرنانة، ولا بالشعارات التي تثير المشاعر ثم تخبو. الوطن يُستعاد عندما يشعر المواطن أن له مكانًا فيه، وأن كرامته مصونة، وأن جهده سيُثمر، وأن المستقبل يستحق أن يُبنى.

العودة إلى الأرض ليست قرارًا فرديًا فحسب، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة. والخوف حق مشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قدر دائم. أما استعادة الوطن، فهي مسؤولية الجميع، تبدأ من دولة توفر الأمن والخدمات، ومن مواطن يؤمن بأن البناء، مهما كان شاقًا، يظل الطريق الوحيد نحو سودانٍ يستحقه أبناؤه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى