مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | بوح الكلام في البيوت السودانية ما بعد الحرب

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | بوح الكلام في البيوت السودانية ما بعد الحرب

لم تكن الحرب في السودان مجرد معركة على الأرض، بل كانت معركة اقتحمت البيوت، وغيّرت ملامح الأسر، وأعادت تشكيل العلاقات بين أفرادها. وحين خفت صوت الرصاص في بعض المناطق، بدأ صوت آخر يعلو داخل المنازل… صوتٌ لم يسمعه أحد من قبل، هو بوح الكلام.
في البيوت السودانية اليوم، لم تعد الأحاديث كما كانت. لم يعد الأب يتحدث عن خطط المستقبل، بل عن كيفية تعويض ما ضاع. ولم تعد الأم تخفي دموعها وهي تطمئن أبناءها بأن الغد سيكون أفضل، بينما هي نفسها تبحث عن يقينٍ يخفف عنها ثقل الأيام. أما الأبناء، فقد كبروا قبل أوانهم، وتعلموا من الحرب ما كان يجب ألا يتعلمه طفل أو شاب في عمر الأحلام.
الحرب لا تنتهي عندما تتوقف المدافع، بل عندما تتوقف عن السكن في النفوس. وما زال كثير من السودانيين يحملون داخلهم خوفًا لا يُرى، وقلقًا لا يُقال، وذكريات لا يستطيعون الهروب منها. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نتظاهر بأن كل شيء عاد إلى طبيعته، بينما الحقيقة أن الإنسان نفسه لم يعد كما كان.
لقد آن الأوان لأن تتحول البيوت السودانية إلى مساحة للحوار لا للصمت، وإلى ملاذٍ للشفاء لا مستودعٍ للأوجاع. فالكلمة الصادقة قد تكون أبلغ من أي دواء، والاحتواء قد يعيد إلى الإنسان شيئًا من توازنه الذي سلبته سنوات الحرب.
لكن ثمة بوحًا آخر لا بد أن يُقال. فالحرب كشفت عيوبًا اجتماعية كانت تختبئ خلف المجاملات. كشفت هشاشة بعض العلاقات، وأنانية البعض في زمن الشدة، كما كشفت في المقابل معادن نادرة لأناس تقاسموا رغيفهم الأخير مع جيرانهم، وفتحوا أبواب بيوتهم للنازحين دون انتظار مقابل. وهكذا، فإن الأزمات لا تصنع الأخلاق، بل تكشفها.
اليوم، لا يحتاج السودان إلى إعادة إعمار الحجر وحده، بل إلى إعادة إعمار الإنسان. فالمباني يمكن أن تُشيَّد في سنوات، أما الثقة التي انهارت بين الناس فلا تعود إلا بالصدق والعدل والمصالحة المجتمعية. ولا يمكن أن تقوم دولة قوية فوق مجتمع يخشى أفراده الحديث، أو يخجلون من الاعتراف بجراحهم.
ولعل أكثر ما يحتاجه السودان بعد الحرب هو أن يتحدث الناس مع بعضهم بعضًا، لا عن السياسة وحدها، بل عن الألم، وعن الفقد، وعن الأمل، وعن المستقبل الذي يريدونه لأبنائهم. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى حين يصبح الحوار ثقافة، والاختلاف احترامًا، والإنسان قيمة لا تُختزل في انتمائه أو جهته أو قبيلته.
لن يكون الطريق سهلًا، فالحرب تركت ندوبًا عميقة. لكن الشعوب العظيمة لا تُقاس بحجم الكارثة التي مرت بها، بل بقدرتها على النهوض بعدها. والسودان، الذي أنجب حضاراتٍ ضاربةً في التاريخ، قادر على أن ينهض من جديد، إذا اختار أبناؤه أن يكون الكلام جسرًا لا خندقًا، والصدق علاجًا لا سلاحًا، والوطن بيتًا يتسع للجميع.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يهمس به كل بيت سوداني مع إشراقة كل صباح: هل سنورث أبناءنا ذاكرة الحرب، أم سنمنحهم شجاعة صناعة السلام؟
فالكلمات التي تُقال داخل البيوت اليوم… قد ترسم ملامح السودان غدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى