قلم حر | نسيبة خالد | إخلاء المدن الآمنة من المظاهر العسكرية

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | إخلاء المدن الآمنة من المظاهر العسكرية
في ظل الأزمات والصراعات التي تشهدها العديد من الدول، يبرز مفهوم “المدن الآمنة” باعتباره أحد أهم ركائز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والإنساني. غير أن هذا المفهوم يفقد كثيراً من قيمته عندما تتحول هذه المدن إلى ساحات تنتشر فيها المظاهر العسكرية بمختلف أشكالها، الأمر الذي ينعكس سلباً على شعور المواطنين بالأمن ويؤثر على طبيعة الحياة المدنية التي يفترض أن تسود فيها.
إن وجود القوات العسكرية داخل المدن الآمنة قد يكون مبرراً في ظروف استثنائية ومحددة، لكن تحويل هذا الوجود إلى مشهد دائم يخلق حالة من القلق النفسي لدى السكان، ويبعث برسائل متناقضة حول حقيقة الاستقرار الأمني. فالأمن الحقيقي لا يقاس بعدد نقاط التفتيش أو كثافة الوجود المسلح، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة المدنية على فرض القانون وحماية المواطنين دون الحاجة إلى مظاهر استثنائية.
كما أن انتشار المظاهر العسكرية داخل المدن يؤثر على النشاط الاقتصادي والاستثماري. فالمستثمر المحلي أو الأجنبي يبحث دائماً عن بيئة مستقرة وهادئة تعكس سيادة القانون والمؤسسات، بينما تعطي المشاهد العسكرية انطباعاً بوجود تهديدات أمنية كامنة حتى وإن كانت الأوضاع مستقرة فعلياً. ومن هنا فإن إخلاء المدن الآمنة من المظاهر العسكرية يسهم في تعزيز الثقة الاقتصادية وتحفيز عجلة التنمية.
ومن الجانب الاجتماعي، فإن عسكرة الفضاء المدني تؤثر على العلاقة بين المواطن والدولة. فكلما تعزز حضور المؤسسات المدنية وتراجعت المظاهر العسكرية، ازداد شعور المواطنين بأنهم يعيشون في دولة مؤسسات لا في حالة طوارئ دائمة. وهذا بدوره يدعم قيم المواطنة ويعزز الانتماء الوطني ويقوي الثقة المتبادلة بين المجتمع وأجهزة الدولة.
ولا يعني الحديث عن إخلاء المدن الآمنة من المظاهر العسكرية إضعاف القدرات الأمنية أو التقليل من أهمية القوات المسلحة، فالجيوش الوطنية تبقى صمام أمان الدول وحارسة سيادتها. لكن الدور الطبيعي للمؤسسة العسكرية يتمثل في حماية الحدود والتصدي للتهديدات الكبرى، بينما تتولى الأجهزة الشرطية والأمنية المدنية مسؤولية حفظ الأمن داخل المدن وفقاً للقانون.
إن التجارب الدولية الناجحة تؤكد أن استقرار المدن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدنيتها. فكلما تراجعت المظاهر العسكرية من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية، ازدادت قدرة المجتمع على استعادة حياته الطبيعية، وتعززت فرص التعافي الاقتصادي والاجتماعي بعد فترات النزاعات.
وفي الحالة السودانية، تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة في مرحلة إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة العامة. فإخلاء المدن الآمنة من المظاهر العسكرية يمثل خطوة ضرورية لترسيخ الاستقرار، وإعادة الحياة المدنية إلى مسارها الطبيعي، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة النازحين واللاجئين، فضلاً عن بعث رسالة واضحة بأن الأمن المستدام يقوم على المؤسسات والقانون لا على الحضور العسكري الدائم في الفضاء المدني.
إن بناء دولة مستقرة لا يكتمل فقط بوقف النزاعات، بل يتطلب أيضاً إعادة الاعتبار للمدن كمساحات للحياة والإنتاج والتنمية، بعيداً عن كل ما يذكر المواطنين بأجواء الحرب والصراع.

