مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | رؤية تصنع المستقبل | عندما يصبح بناء الدولة أهم من الصراع على السلطة

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | رؤية تصنع المستقبل | عندما يصبح بناء الدولة أهم من الصراع على السلطة

ليست أكبر مأساة يمكن أن تصيب وطنًا أن تندلع فيه الحروب، بل أن تتحول تلك الحروب إلى أسلوب حياة، وأن يصبح الخراب واقعًا مألوفًا، وأن يعتاد الناس على الأزمات حتى يفقدوا القدرة على الحلم. فالأمم لا تنهار حين تُهزم في معركة، وإنما تنهار حين تستسلم لفكرة أن التغيير مستحيل، وأن المستقبل لا يحمل سوى تكرار الماضي.

والسودان اليوم يقف أمام هذه الحقيقة المؤلمة.

لقد دفعت البلاد أثمانًا باهظة نتيجة عقود من الصراعات السياسية، والاستقطاب الحاد، وسوء الإدارة، وتغليب المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة الوطنية. وكانت النتيجة دولة أُنهكت مؤسساتها، واقتصاد تآكلت مقوماته، ومواطن أصبح يقاتل كل يوم من أجل أبسط حقوقه: الأمن، والغذاء، والعلاج، والتعليم، والكرامة.

لكن السؤال الذي يجب أن يفرض نفسه اليوم ليس: من المسؤول عن ما حدث؟ فالتاريخ سيكتب ذلك عاجلًا أم آجلًا. السؤال الحقيقي هو: من يملك الشجاعة لصناعة ما سيحدث؟

لقد أثبتت التجربة السودانية أن تغيير الأشخاص لا يكفي إذا بقيت طريقة إدارة الدولة كما هي. تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتبدل الشعارات، بينما يظل المواطن يدفع الفاتورة ذاتها. وهذه هي الأزمة الحقيقية؛ أزمة فكر وإدارة قبل أن تكون أزمة موارد أو إمكانات.

إن بناء المستقبل لا يبدأ بإلقاء الخطب، ولا بإصدار البيانات، ولا بإغراق وسائل الإعلام بالشعارات الرنانة. المستقبل يبدأ عندما تتحول الدولة من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، ومن ثقافة رد الفعل إلى ثقافة التخطيط، ومن الولاءات الضيقة إلى مفهوم المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون.

لقد آن الأوان لأن يعترف الجميع بأن السودان لا تنقصه الثروات، بل تنقصه الإدارة الرشيدة. فلا توجد دولة تمتلك كل هذا التنوع الزراعي والمائي والمعدني والبشري ثم تعيش هذا المستوى من التراجع إلا إذا كانت المشكلة في طريقة إدارة الموارد، لا في الموارد نفسها.

ولسنوات طويلة، استُهلك الخطاب السياسي في تبادل الاتهامات، بينما بقيت الأسئلة الجوهرية بلا إجابات: كيف نبني اقتصادًا منتجًا؟ كيف نعيد الثقة في مؤسسات الدولة؟ كيف نمنع هجرة العقول؟ كيف نحول الشباب من ضحايا للحرب إلى شركاء في إعادة الإعمار؟ وكيف نجعل التعليم والبحث العلمي أساسًا للنهوض لا بندًا هامشيًا في الموازنات؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن تصبح السياسة غاية في ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لخدمة الناس. فحين ينشغل الساسة بمعارك النفوذ، ينشغل المواطن بمعركة البقاء. وحين تُدار الدولة بعقلية الغنيمة، تتراجع الكفاءة، وتغيب العدالة، ويصبح الولاء أهم من الكفاءة، ويصبح المنصب مكسبًا شخصيًا بدل أن يكون تكليفًا وطنيًا.

السودان اليوم لا يحتاج إلى بطل فرد، بل إلى مشروع وطني. لا يحتاج إلى خطابات تعبئة بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وإدارة حديثة، واقتصاد منتج، وإعلام مسؤول، وتعليم يواكب العصر. فالدول الحديثة لا تُبنى بالعواطف وحدها، وإنما بالكفاءة والانضباط والمحاسبة.

كما أن إعادة الإعمار ليست مجرد تشييد مبانٍ وجسور وطرق، بل هي إعادة بناء الإنسان السوداني نفسه؛ إعادة الثقة، وإحياء ثقافة العمل، وترسيخ قيم المواطنة، والمصالحة المجتمعية، وسيادة القانون. فالخراب الحقيقي يبدأ عندما تنهار الثقة، وأول خطوة نحو التعافي هي استعادتها.

إن المستقبل لن تصنعه حكومة وحدها، ولن تصنعه المعارضة وحدها، ولن يصنعه المجتمع الدولي نيابة عن السودانيين. المستقبل تصنعه إرادة وطنية تضع السودان فوق كل اعتبار، وتؤمن بأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عداء وجودي، وأن الوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكومات، وأغلى من المصالح المؤقتة.

ولعل أكبر درس يجب أن نتعلمه من السنوات الماضية هو أن كلفة الفشل السياسي لا يدفعها السياسيون، بل يدفعها المواطن البسيط؛ الطفل الذي حُرم من التعليم، والمزارع الذي فقد أرضه، والطبيب الذي هاجر، والأسرة التي نزحت، والشاب الذي ضاع مستقبله بين الحرب والبطالة.

إن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة مراجعة شاملة، لا للمواقف فقط، بل للعقول التي أدارت الدولة، وللأساليب التي أوصلت السودان إلى هذا المنعطف. فلا يمكن بناء مستقبل جديد بالأدوات نفسها التي صنعت الأزمات.

رؤية تصنع المستقبل ليست شعارًا إعلاميًا، بل عقدًا أخلاقيًا بين الدولة والمواطن؛ عقد يقوم على الشفافية، والمساءلة، والعدالة، والإنتاج، واحترام الإنسان. وهي رؤية تجعل معيار النجاح هو جودة حياة المواطن، لا حجم الخطابات ولا كثرة الوعود.

ويبقى السؤال الذي سيحكم مستقبل السودان: هل يمتلك الجميع شجاعة الانتقال من معارك الأمس إلى صناعة الغد؟ وهل تكون هذه المرحلة بدايةً لتأسيس دولة المؤسسات، أم محطة جديدة في مسلسل إهدار الفرص؟

التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يجامل من يكرر الأخطاء. أما الشعوب التي تمتلك الإرادة والرؤية، فإنها قادرة على النهوض مهما كانت الجراح عميقة.

فالمستقبل لا يولد من رحم الأمنيات، بل من قرارات شجاعة، وإصلاحات حقيقية، وإرادة وطنية تضع السودان أولًا… ودائمًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى