وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي | السدود المنسية

صوت الشارع
مقالات وكتاب
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي | السدود المنسية
تابعنا بالأمس وقوف المهندس ضو البيت عبد الرحمن وكيل وزارة الزراعة والري، برفقة عدد من المهندسين على أعمال الصيانة الصيفية والتشغيل بخزان سنار، حيث أشاد بخبرات العاملين، وشدد على سلامة الإجراءات وتوفير أدوات الحماية، مؤكداً حرص وزارته على تشغيل الخزان بصورة منتظمة لتأمين مياه الري لمشروع الجزيرة. وأعلن مدير الخزان اكتمال نحو 90٪ من أعمال الصيانة التي شملت 25 بوابة رئيسية. بين ترعتي المناقل والجزيرة، إلى جانب توفير قطع الغيار.
هذه الجهود على أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً. فالحرب التي عطّلت الصيانة الدورية للسدود السودانية لاسيما سدود حصاد المياه، خاصة في دارفور وكردفان، لم تخلق فقط فجوة خدمية، بل فتحت الباب أمام اختلالات بيئية واجتماعية قد تتفاقم مع موسم الأمطار، إذا جاء فوق التوقعات.
يُضاف إلى ذلك متغير المناخ، الذي لم يعد مجرد فرضية نظرية، بل واقع يفرض نفسه على الخارطة السودانية. أمطار غزيرة في مناطق لم تعهدها، وعواصف غير مسبوقة، وانهيارات جزئية لسدود حيوية – كما حدث في أغسطس العام 2024 في سد أربعات ، كلها مؤشرات على أن البنية التحتية المائية باتت تواجه اختباراً يتجاوز قدرتها التقليدية. في هذا السياق، تصبح الصيانة ليست خياراً وقائياً فحسب، بل ضرورة حتمية .
هذه السدود والحفائر، التي بُنيت لتكون خط الدفاع الأول للمجتمعات الريفية، لم تُصمم لتحمل الإهمال الممتد. فهي تعتمد على برنامج صيانة دورية لإزالة الطمي، وضبط مجاري التصريف، وحماية الجسور الترابية من التآكل. ومع غياب هذه الدورة الحيوية، تتراكم عناصر الضعف دون انتباه، لتتحول المنشآت من أدوات استقرار إلى بؤر خطر كامنة بل مهددة للاستقرار، لا تحتاج سوى موسم مطر غير اعتيادي كي تتحول إلى كارثة.
ورغم إدراج مشروعات حصاد المياه ضمن موازنة الدولة للعام 2026، وما رافق ذلك من تأكيد أهميتها الاستراتيجية، فإن الفجوة بين القرار والتنفيذ ما تزال هي التحدي الحقيقي. وهنا تبرز مسؤولية وزارة المالية باعتبارها الجهة المعنية في تحويل هذه الالتزامات إلى واقع فعلي، عبر الإسراع في رصد وتوفير التمويل اللازم لأعمال الصيانة والتأهيل، لا سيما الولايات الآمنة التي يمكن أن تستعيد فيها هذه المشروعات دورها في دعم الاستقرار الريفي ومنع النزاع حول المياه والمراعي.
وفي هذا السياق، تكتسب الإشارات السابقة من وزير المالية د. جبريل إبراهيم أهمية إضافية، حيث عبّر في وقت سابق عن تفهم واضح لدور مشروعات حصاد المياه في دعم التنمية الريفية وتعزيز الاستدامة. غير أن هذا التفهم، رغم أهميته السياسية، يظل بحاجة إلى ترجمة عملية عاجلة عبر تخصيصات مالية فاعلة تواكب خطورة الموسم القادم، لأن الزمن في ملف المياه لا ينتظر اكتمال الدورة البيروقراطية.
في المقابل تقف السدود الكبرى مثل مروي والروصيرص وأعالي عطبرة وستيت أمام ضغط مختلف، أكثر تعقيداً واتساعاً، كونها تتحمل العبء الأكبر في إدارة فيضان النيل وتنظيم تدفقاته. وخلال موسم الفيضان، يتراوح إيراد النيل الأبيض بين 100 إلى 150 مليون متر مكعب يومياً، بينما يقفز إيراد النيل الأزرق إلى ما بين 500 إلى 700 مليون متر مكعب يومياً، وهو فارق يعكس حجم الطاقة الهيدرولوجية التي تتعامل معها هذه المنشآت.
إقليميًا تتعمق المعادلة تحت وطأة التأثيرات المستمرة لسد النهضة الإثيوبي، إذ لم يعد تذبذب إيرادات النيل الأزرق، خاصة في ذروة الفيضان، مجرد عامل موسمي، بل متغيرًا بنيويًا يعيد تشكيل منطق التشغيل في السدود السودانية، ولا سيما مروي والروصيرص. ورغم انتظام تفريغ بحيرة السد مستمرة نحو المنسوب الأدنى المرتقب بنهاية يونيو، فإن التفاوت بين إيرادات النيلين الأزرق والأبيض يتسع في ظل تقلبات مناخية وهيدرولوجية حادة، ما يفرض إدارة تكيفية للخزانات تتجاوز المرونة التشغيلية إلى إعادة معايرة دقيقة لمعادلة الأمان المائي.
ضمن هذا المشهد، تبرز إجراءات تفريغ السدود قبل موسم الخريف كأداة استراتيجية لإدارة المخاطر. فتح البوابات، وتمرير الطمي، وخفض المناسيب كلها قرارات تحمل، حسابات دقيقة بين تفادي الفيضانات والحفاظ على مخزون مائي كافٍ. إنها عملية توازن دقيقة بين الخطر والاحتياج.
كما أن التوجه نحو توطين صناعة قطع الغيار لمنظومة الري يعكس إدراكاً جيدا لأهمية الاستقلال الفني، في ظل تعقيدات الاستيراد وتذبذب سلاسل الإمداد. وهو بعدٌ اقتصادي-سياسي لا يقل أهمية عن الصيانة نفسها، إذ يربط بين السيادة المائية والسيادة الصناعية.
هذا وبحسب #وجه_الحقيقة ، فإن صيانة السدود الكبري أو سدود حصاد المياه حتي لا تعد سدود منسية، يجب أن تتحول إلى مرآة تعكس قدرة الدولة على إدارة أزماتها المعقدة. فهي اختبار لفاعلية المؤسسات، ولمدى تماسك البنية التحتية في وجه الحرب، ولمقدرة البلاد على التكيف مع تغيرات المناخ، وتدفقات النيل، فإن الاستعداد لموسم الخريف لا يُقاس بنسبة إنجاز الصيانة، بل بمدى القدرة على قراءة المشهد كاملاً: من أعالي النيل إلى جميع الولايات، ومن حسابات الهندسة إلى رهانات السياسة. هنا فقط، تتحول السدود من منشآت صامتة إلى أدوات فاعلة في معركة البقاء والتخطيط التنموي السليم.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 15 أبريل 2026 م Shglawi55@gmail.com

