جرة قلم | نسيبة خالد | الوطن فوق الجميع

صوت الشارع
مقالات وكتاب
جرة قلم | نسيبة خالد | الوطن فوق الجميع
في لحظات الأزمات الكبرى التي تمر بها الأمم، تتكشف حقيقة المواقف وتُختبر صدقية الشعارات. ومن بين أكثر الشعارات تداولًا في الخطاب السياسي والاجتماعي يبرز شعار: “الوطن فوق الجميع”. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الشعار لا تكمن في ترديده، بل في تحويله إلى ممارسة وسلوك وموقف عند تعارض المصالح الشخصية أو الحزبية أو الجهوية مع المصلحة الوطنية.
لقد عانى السودان، عبر عقود طويلة، من تغليب الولاءات الضيقة على الانتماء الوطني الجامع. فكانت النتيجة حروبًا ونزاعات وانقسامات أضعفت الدولة وأهدرت مواردها وأرهقت شعبها. وفي كل مرحلة كان الجميع يرفع راية الوطن، لكن الواقع كان يكشف أن المصالح الخاصة غالبًا ما كانت تتقدم على المصلحة العامة.
إن الوطن لا يُقاس بحدوده الجغرافية فقط، بل بمؤسساته واستقراره ووحدة شعبه ومستقبله. وعندما يصبح الصراع على السلطة أو النفوذ أو المكاسب الشخصية سببًا في تمزيق النسيج الوطني، فإن أول الخاسرين هو الوطن نفسه، مهما ادعى المتصارعون الدفاع عنه.
والوطن فوق الجميع يعني أن تكون السيادة الوطنية خطًا أحمر، وأن تُقدَّم مصلحة المواطنين على الحسابات السياسية الضيقة، وأن تُدار الخلافات بالحوار لا بالإقصاء، وبالتوافق لا بالاستقواء. كما يعني أن تتحمل النخب السياسية والفكرية مسؤوليتها التاريخية في بناء مشروع وطني جامع بدلاً من تكريس الانقسام.
إن الدول التي نهضت من الحروب والأزمات لم تفعل ذلك إلا عندما أدركت أن بقاء الوطن واستقراره أهم من انتصار أي حزب أو جماعة أو فرد. فالأوطان لا تُبنى بالثأر السياسي، ولا تستقر بمنطق الغلبة، وإنما تقوم على عقد اجتماعي يضمن الحقوق والواجبات ويجعل المواطنة أساس الانتماء.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السودان إلى ترسيخ هذا المبدأ عمليًا لا لفظيًا. فالوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأسمى من المصالح العابرة. وعندما يدرك الجميع أن الوطن هو المظلة التي تحمي الجميع، يصبح الحفاظ عليه واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا لا يقبل المساومة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن مستعدون حقًا لوضع الوطن فوق الجميع، أم أننا ما زلنا نضع الجميع فوق الوطن؟



