جرة قلم | نسيبة خالد | عيدية سودانية

صوت الشارع
مقالات وكتاب
جرة قلم | نسيبة خالد | عيدية سودانية
في زمن الحرب والانقسام والنزوح، يصبح للعيد في السودان طعم مختلف، وتصبح “العيدية” أكثر من مجرد نقود توضع في يد طفل أو هدية تقدم لأحد الأقارب. إنها فعل مقاومة في وجه الحزن، ورسالة أمل في زمن تتكاثر فيه أسباب اليأس.
يحل العيد هذا العام على ملايين السودانيين وهم بين نازح يبحث عن مأوى، وأسرة فرقتها الحرب، وأم تنتظر عودة ابنها، وأطفال سرقت منهم أصوات المدافع جزءاً من براءة العمر. ومع ذلك، يصر السودانيون على صناعة الفرح من بين الركام، وعلى إبقاء جذوة الأمل مشتعلة رغم قسوة المشهد.
العيدية السودانية اليوم ليست ورقة نقدية، بل قد تكون وجبة تصل إلى أسرة محتاجة، أو ثوباً لطفل حرمته الظروف من فرحة العيد، أو زيارة تعيد الدفء إلى قلب أنهكته الغربة. وقد تكون كلمة طيبة أو مبادرة إنسانية أو يداً تمتد بالعون لمن أثقلته المحن.
لقد كشفت الحرب عن معدن السودانيين الحقيقي. ففي الوقت الذي انهارت فيه مؤسسات وتعثرت خدمات، نهضت قيم التكافل الشعبي لتسد الفراغ. فتقاسم الناس ما يملكون، وفتحوا بيوتهم للنازحين، وأعادوا إحياء معاني الشهامة والنخوة التي ظلت عبر التاريخ جزءاً من الشخصية السودانية.
إن أجمل عيدية يمكن أن تُهدى للسودان اليوم ليست مالاً ولا هدية عابرة، بل مشروع وطني يعيد جمع أبنائه حول كلمة سواء، ويؤسس لدولة تقوم على العدالة والمواطنة وسيادة القانون. فالوطن الذي دفع أبناؤه أثماناً باهظة من الدماء والتضحيات يستحق مستقبلاً أفضل من حاضر الصراع والانقسام.
وفي هذا العيد، بينما تتعالى التكبيرات في المساجد والبيوت ومخيمات النزوح، يبقى الدعاء الأكبر أن يستعيد السودان أمنه واستقراره، وأن يعود أبناؤه إلى ديارهم، وأن تتحول دموع الفقد إلى ابتسامات أمل، وأن تكون العيدية الحقيقية لهذا الشعب هي السلام.
فكل عام والسودان بخير، وكل عام وشعبه أكثر إيماناً بأن الأوطان قد تتعب، لكنها لا تموت ما دام فيها من يؤمن بها ويعمل من أجلها.



