دكينيات | دكتور عصام دكين | عامر على محمد خير يرد على سخرية حسبو البيلي.

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور عصام دكين | عامر على محمد خير يرد على سخرية حسبو البيلي.
دكينيات(1939)2026/9/9م.
دكتور عصام دكين.
اطلعت على مقال كتبه حسبو البيلي ساخرا من الاخ عامر على محمد خير الكوز الذى كان يقاتل في احراش الجنوب في تسعنيات القرن الماضي طالب للشهادة وهو طالب بجامعة الجزيرة الذى تغير الى إنسان اخر تماما ناقدا للفكرة وداعيا لاصلاحها وليس ترقيعها.
ولمعرفتي بالأخ عامر محمد خير معرفة لصيقة وأسرته وعشرتنا الطويلة عندما كنا طلاب في منابر الحركة الإسلامية الطلابية وما بعد التخرج. بدأت اكتب في مرافعة عن الاخ عامر على محمد خير ردا على سخرية حسبو البيلي وبينما استعدوا لكتابتها على الموبايل ونشرها اذا بالأخ عامر محمد خير يكتب ردة بكل هدو وعمق على سخرية حسبو البيلي فاجلت نشرها وقالوا (سمح الكلام في خشم سيدوا).
* عامر على محمد خير من انزه وأمن الناس على المال العام وعلى العروض والاوطان وعلى الكلمة. ومن اصدق واشجع من عرفت في سائر الحياة من الاخوان في الحركة الإسلامية. عامر على إنسان إلى حد منتهي الإنسانية. عامر على محمد خير رجل زاهد انتمي للحركة الإسلامية بصدق و وقف في منابرها بصدق وقاتل في جنوب السودان بكل شجاعه وصدق. وانتقد فكرته بكل شجاعة وأمانه. لذلك انشر مرافعته في سلسلة دكينيات وفاء وحبا للاخ عامر على محمد خير لانها تمثل كل صادق و حادب على التغيير والإصلاح.
* كتب عامر على محمد خير هناك شيء في السخرية من ماضي الإنسان يستحق التوقف عنده، ليس دفاعاً عن شخصي، وإنما لأن المسألة أكبر من قصة شخص كان يحمل مصحفاً ومسبحة وسلاحاً، أو يضع في جيبه «كوزاً» بلاستيكياً، أو كان يتحدث عن الشهادة والحور العين. فهذه الصور، مهما كانت صحيحة أو أضيف إليها من الخيال، لا تقول وحدها شيئاً عن صواب الإنسان أو خطئه.
كنت في حرب الجنوب في التسعينيات مؤمناً بما كنت أقاتل من أجله: الدفاع عن الوطن والدولة، وتلبية دعوة الجهاد، وابتغاء مرضاة الله. ولم يكن ذلك تمثيلاً. كنت صادقاً مع نفسي ومع ما كنت أعتقده. لكن الصدق مع الفكرة لا يجعل الفكرة صحيحة بالضرورة، والشجاعة في القتال لا تمنح صاحبها حقاً تلقائياً في أن يكون على صواب.
بل إن الحرب نفسها علمتني شيئاً لم أفهمه في بداياتها. كنت أرى في الطرف الآخر رجالاً أشداء، وأعرف أن كثيراً منهم أكثر جرأة وإقداماً مني. وكنا نفسر قتالهم آنذاك بما كان متاحاً لنا من تفسيرات: المخدرات، أو الخضوع للأجنبي، أو غير ذلك. لكن استمرار شعب في القتال عقوداً طويلة كان ينبغي أن يجعل السؤال أكبر من هذه التفسيرات. كيف يمكن لشعب أن يقاتل كل هذه السنين، وأن يموت ويضحي، من دون أن تكون وراء ذلك قضية يراها هو جديرة بكل هذا الثمن؟
تعلمت أن الإنسان يستطيع أن يكون شجاعاً جداً وهو مخطئ، وأن يكون صادقاً جداً وهو يحمل فكرة خاطئة. وهذه ليست ملاحظة تخص الجنوب وحده. تاريخ السودان نفسه يقول إن السودانيين رجال أشداء في القتال؛ فقد استخدمتهم جيوش محمد علي باشا، ثم استخدمتهم جيوش الاستعمار البريطاني، لأن الجندية والشجاعة صفات لا تمنح وحدها شرعية سياسية ولا حقيقة أخلاقية.
لذلك لا أرى في المسبحة والمصحف والسلاح، ولا في الإقدام على القتال، ما يثبت سبق الإنسان أو صحة قضيته. ما يهمني اليوم هو ما تعلمته من تلك التجربة، وما الذي فعلته بي المعرفة والسنون والمراجعة.
أن يطلب من إنسان أن يظل في الخمسين أسيراً لفكرة عرفها وهو في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، ليس دفاعاً عن الثبات، وإنما إلغاء لمعنى النضج نفسه.
وفي التراث الإسلامي دلالة تستحق التأمل: لم تكن الرسالات تُحمل إلى أصحابها وهم في مقتبل العمر، بل ارتبطت النبوة في المشهور بسن الأربعين، وهي السن التي يذكر القرآن عند بلوغها دعاء الإنسان: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ». وكأن بلوغ الأربعين ليس مجرد رقم في العمر، وإنما محطة للمراجعة والتدبر واستعادة النظر في ما مضى.
وتُنسب إلى أكثر من قائل حكمة معناها أن الإنسان قد يكون متحمساً أو حتى متطرفاً في شبابه، لكن عليه كلما تقدم به العمر أن يتحول من الحماسة إلى الحكمة. لا أظن أن الحكمة في أن يحتفظ الإنسان في الخمسين بعقل الثامنة عشرة، ولا أن يظل يردد ما قاله لأنه يخشى أن يقال له: لقد تغيرت.
نعم، لقد تغيرت.
غيرتني الحرب، وغيرتني قراءة الجنوب، وغيرتني معرفة الدولة، وغيرتني تجربة الإسلام السياسي، وغيرتني السنوات التي رأيت فيها كيف يمكن لفكرة تبدو في بدايتها عظيمة أن تتحول حين تدخل جهاز الدولة إلى شيء آخر تماماً.
وهنا تبدأ المسألة الأهم.
لقد أثبتت تجربة الحكم الإسلامي في السودان أن المشكلة لم تكن في نقص الشعارات، ولا في ضعف الحماسة الدينية، ولا في غياب الرغبة في إقامة دولة ذات مرجعية إسلامية. المشكلة كانت أعمق: محاولة إدارة الدولة الحديثة بخليط غير ناضج من تصورات فقهية تشكلت في سياقات تاريخية قديمة، ونخبة سياسية حديثة لم تنجح في إنجاز المزج الضروري بين الدين والدولة والمجتمع والحداثة والمؤسسات.
والنتيجة كانت أخطاء هائلة، وانتهى الأمر إلى دولة أضعف، ومجتمع أكثر انقساماً، ومؤسسات أكثر هشاشة، وحرب نعيش نتائجها حتى اليوم.
لذلك فإن الدعوة إلى «إصلاح» السودان اليوم باسم الإسلام، إذا كانت تعني إعادة إنتاج التجربة نفسها مع بعض التحسينات في الأشخاص أو الشعارات، ليست إصلاحاً. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن التجربة تحتاج إلى مراجعة عميقة، لا إلى تلميع صورتها أو الدفاع عن أخطائها باسم حسن النيات.
وهذا ليس حكماً على أشخاص بعينهم، ولا إنكاراً لإخلاص من قاتل أو ضحى أو آمن بما فعل. يمكن للإنسان أن يكون مخلصاً وشجاعاً وصادقاً، ثم يكتشف بعد سنوات أن القضية التي بذل لها كل ذلك لم تكن كما تصورها.
ليس عيباً أن تتغير.
العيب أن تملك كل هذه السنوات، وكل هذه التجارب، وكل هذا الدم، ثم لا تتعلم منها شيئاً.
وأخطر ما يمكن أن نفعله بالسودان الآن أن نطلب من أبنائه أن يعودوا إلى النسخ القديمة من أنفسهم، بدلاً من أن نطلب منهم أن يتعلموا من أخطائهم ومن أخطاء بلادهم.
فالمطلوب ليس أن نبحث عن الإنسان الذي لم يتغير.
المطلوب أن نبحث عن الإنسان الذي تغيّر لأنه تعلّم.
#شفت_كيف
#يفرق_كتير
——————————————
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين


