مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | تصدُّع نظام الإنقاذ… كيف اندلعت شرارة التغيير | قراءة ثانية في تجربة ثلاثين عاماً من الحكم

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | تصدُّع نظام الإنقاذ… كيف اندلعت شرارة التغيير | قراءة ثانية في تجربة ثلاثين عاماً من الحكم

دكينيات (1854)
28 يوليو 2026م
د. عصام دكين

بدأ سقوط نظام الإنقاذ نتيجة تفاعل معقد بين عوامل داخلية وأخرى خارجية، تراكمت على مدى سنوات حتى بلغت ذروتها في انتفاضة ديسمبر 2018، التي انتهت بسقوط النظام في 11 أبريل 2019. ولم يكن هذا السقوط وليد لحظة واحدة، بل كان حصيلة تصدعات متراكمة أصابت بنية النظام السياسية والتنظيمية والاقتصادية.

*أولاً: خلفية تاريخية… علاقة السودان بالحكم العسكري*
شهد السودان خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي اهتماماً واسعاً بقضايا التنمية والتحديث وبناء الدولة الحديثة، إلا أن التجربة السياسية اتجهت نحو الانقلابات العسكرية التي وجدت، في بعض مراحلها، دعماً من قوى سياسية مختلفة.
فقد جاء انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958 بدعم من حزب الأمة، بينما جاء انقلاب جعفر نميري عام 1969 بدعم من الحزب الشيوعي السوداني. وقد أدى ذلك إلى تعطيل التجربة الديمقراطية الناشئة، وترسيخ الاعتقاد لدى قطاعات من المجتمع بأن الأنظمة العسكرية أكثر قدرة على تحقيق التنمية والاستقرار.
ولهذا ظهرت شعارات التأييد الشعبي المعروفة آنذاك مثل: “أيدناك يا عبود”، ثم “أبوكم مين؟ نميري”، وغيرها من الشعارات التي عكست قبولاً شعبياً مؤقتاً للحكم العسكري مقابل الوعود بتحقيق التنمية.
لكن هذه التوقعات لم تتحقق بالصورة المأمولة، إذ عانت تلك الأنظمة من ضعف المشاركة السياسية، وقصور في مجال الحريات وحقوق الإنسان، فضلاً عن عجزها عن تحقيق العدالة الاجتماعية بصورة مستدامة.

*ثانياً: الثورات الشعبية وسقوط الأنظمة العسكرية*
انتهى الحكم العسكري في السودان مرتين عبر ثورات شعبية؛ الأولى في أكتوبر 1964، والثانية في أبريل 1985، وهو ما أكد أن الاستقرار السياسي لا يتحقق بالقوة وحدها.
وقبيل سقوط نظام مايو، أعلن الرئيس جعفر نميري تطبيق الشريعة الإسلامية عام 1983 دون استفتاء شعبي، وفي ظل واقع سوداني يتسم بالتعدد الديني والثقافي، وهو ما يعده كثير من الباحثين أحد العوامل التي أسهمت في تصاعد الحرب الأهلية في جنوب السودان.

*ثالثاً: انقلاب يونيو 1989*
جاء انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 بدعم من الجبهة الإسلامية القومية، رغم أنها كانت تمتلك تمثيلاً برلمانياً مؤثراً بلغ (52) مقعداً، وكان بإمكانها المشاركة في تشكيل الحكومة عبر التحالفات السياسية. غير أنها اختارت الوصول إلى السلطة عبر الانقلاب العسكري بدلاً من المسار الديمقراطي.

*رابعاً: لماذا سقطت الإنقاذ؟*
*أ/ ما قبل السقوط… بدايات التصدع داخل نظام الإنقاذ*
تضافرت عدة عوامل في إضعاف جسد نظام الإنقاذ من الداخل وشكّلت بدايات النهاية، من أبرزها:
– غياب القيادات التاريخية التي كانت تتمتع بالنفوذ والكاريزما والقدرة على إدارة الخلافات، مثل الدكتور نافع علي نافع، وعلي عثمان محمد طه، والدكتور عوض الجاز، والدكتور مجذوب الخليفة، وغيرهم، سواء بابتعادهم عن مراكز القرار أو بسبب التقدم في العمر أو الوفاة.
– اتساع الانقسامات داخل القيادة، الأمر الذي انعكس على أداء حزب المؤتمر الوطني، وأضعف تماسك النخبة الحاكمة، وشجّع القوى المعارضة على تحدي النظام.
– التدهور الاقتصادي، الذي أضعف الإنجازات التي تحققت خلال سنوات الحكم الأولى، وأدى إلى تراجع مستوى المعيشة وارتفاع معدلات السخط الشعبي.
– ظهور قوى معارضة جديدة، مثل تجمع المهنيين السودانيين وقوى إعلان الحرية والتغيير، التي نجحت في تقديم خطاب سياسي أكثر تأثيراً، واستطاعت تعبئة الشارع العام بصورة غير مسبوقة مستفيدة فى ذلك من ممارسات النظام السالبة.
– استمرار استخدام العنف ضد الاحتجاجات لمحاولة كبحها ، وهو ما أدى إلى اتساع دائرة المعارضة بدلاً من احتوائها.
*ب/ الأسباب التى أدت إلى سقوط نظام الإنقاذ*
يمكن تقسيم أسباب سقوط نظام الانقاذ إلى محورين رئيسيين:
*أ-ب/ التفاعلات الداخلية*
اعتمد استقرار النظام على تماسك النخبة الحاكمة، لكن هذا التماسك تعرض لهزات متتالية، تمثلت في:
– تصاعد الصراع داخل مراكز السلطة.
– تراجع الثقة بين القيادة والقواعد.
– ظهور تيار إصلاحي داخل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني.
وفي العام 2013 ظهرت (وثيقة الإصلاح) التي طالبت بإصلاح الحزب والحكومة والحركة الإسلامية، كما طالبت شخصيات بارزة بعدم ترشح الرئيس عمر البشير في انتخابات 2015، ثم تكرر المطلب قبيل انتخابات 2020، إلا أن الرئيس رفض ذلك.
هذا الرفض ساهم في تعميق الانقسام داخل النظام، وفتح قنوات تواصل بين بعض الغاضبين من داخل المؤتمر الوطني والقوى المعارضة، وهو ما سبق أحداث اعتصام القيادة العامة، وانتهى بإعلان اللجنة الأمنية عزل الرئيس عمر البشير في 11 أبريل 2019.
وقد أثار مشهد تفاخر بعض العسكريين لاحقاً بإلقاء القبض على رئيسهم تساؤلات لدى قطاعات من الرأي العام حول طبيعة ما جرى، وأضعف الثقة في الجهة التي تولت إدارة المرحلة الانتقالية.
*ب-ب/ ضعف الحاضنة السياسية*
في سنواته الأولى استند نظام الإنقاذ إلى دعم قوي من الحركة الإسلامية، التي وفّرت له سنداً تنظيمياً وشعبياً، وقدمت فى ذلك تضحيات كبيرة خلال سنوات الحرب.
لكن مع مرور الوقت، تراجع دور الحركة الإسلامية في صناعة القرار، وتم استبعاد كثير من كوادرها، بينما اعتمد النظام بصورة متزايدة على الحوافز والمناصب والامتيازات للحفاظ على الولاءات، وهو ما أضعف البناء التنظيمي تدريجياً.
ظل نظام الإنقاذ قادراً على تجاوز التحديات العسكرية والسياسية سنوات طويلة، لكنه انهار عندما أصاب التصدع النخبة الحاكمة نفسها.

*خامساً: المعارضة وتبلور مشروع التغيير*
خلال سنوات حكم الإنقاذ تعددت القوى المناهضة للنظام، وتنوعت بين أحزاب سياسية، وحركات مسلحة، وتنظيمات مهنية، ومنظمات حقوقية.
وشهدت تلك الفترة تحالفات متعددة، مثل:
نداء السودان، الجبهة الثورية، وقوى إعلان الحرية والتغيير.
وفي الوقت الذي كانت فيه هذه القوى تفاوض الحكومة في أديس أبابا برعاية الاتحاد الأفريقي، كانت الاحتجاجات الشعبية تتصاعد داخل السودان، حتى وصلت الأزمة إلى مرحلة لم يعد معها استمرار النظام ممكناً.

*سادساً: لماذا نجحت الثورة فى القيام؟*
ارتبط نجاح قيام الثورة بثلاثة عوامل رئيسية هى:
أ/ ضعف النظام في سنواته الأخيرة نتيجة الخلافات الداخلية، وتراجع ثقة الجماهير، وتعثر تنفيذ برامج الإصلاح منذ عام 2013.
ب/ تزايد ثقة المعارضة بإمكانية إسقاط النظام، خاصة بعد المشاركة الواسعة للشباب في الاحتجاجات، وانكشاف هشاشة التماسك الداخلي للنظام.
ج/ اتساع الشعور بالظلم السياسي والاقتصادي، بسبب ضعف المشاركة السياسية، وتراجع العدالة، وارتفاع معدلات الفساد، وفقدان الثقة في وعود الحكومة بالإصلاح.

*سابعاً: الخاتمة*
للحقيقة فإن نظام الإنقاذ بدأ قوياً شامخاً، واستطاع مواجهة تحديات داخلية وخارجية معقدة، كما خاض حروباً متعددة، واستند في سنواته الأولى إلى قاعدة تنظيمية واسعة داخل الحركة الإسلامية.
إلا أن التحولات التي شهدها النظام لاحقاً، واستبعاد كثير من كوادره التاريخية، وتراجع دور الحركة الإسلامية بعد إسكات الأصوات المنادية بالحوار من قادتها الشباب، واتساع الانقسامات داخل مؤسسات الحكم، أضعفت تماسكه الداخلي.
إدخال قوى سياسية متعددة في الحكومة، واستبدال بعض مراكز القوة التقليدية بقوى جديدة، واتهام المخلصين من العسكريين بمحاولات انقلابية وإحالة أعداد كبيرة من الضباط إلى التقاعد، واستبدال القوة العسكرية الاحتياطية التطوعية بقوات (الدعم السريع) بعد تمكينها بسن قانون لحمايتها، كلها عوامل ساهمت في إضعاف قدرة نظام الإنقاذ حماية نفسه عندما بلغت الأزمة ذروتها.
وفي النهاية، لم يسقط النظام بسبب استماتة خصومه وحدها، بل نتيجة التقاء الضغوط الخارجية مع التصدعات الداخلية التي أصابت بنيته السياسية والتنظيمية، حتى أصبح استمرار الحكم أمراً غير ممكن.
——

سلسلة “دكينيات”
رؤية تحليلية للأحداث السياسية من منظور الكاتب، تعبر عن قراءته الخاصة لمسار الأحداث وتطوراتها.

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى