قلم حر | نسيبة خالد | يكفينا فخرًا بأننا سودانيون… ولكننا نجيد لغة الضاد ولا ندّعي العروبة

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | يكفينا فخرًا بأننا سودانيون… ولكننا نجيد لغة الضاد ولا ندّعي العروبة
ليس كل من يتحدث العربية عربيًا، كما أن إتقان اللغة لا يمنح الإنسان نسبًا، ولا يسلبه هويته. فاللغة وعاءٌ للحضارة، أما الهوية فهي تاريخ وجغرافيا وثقافة وذاكرة مشتركة.
والسودان، منذ آلاف السنين، كان ملتقى الحضارات، من كوش ونبتة ومروي، إلى الممالك المسيحية، ثم السلطنة الزرقاء، وصولًا إلى السودان الحديث. وعلى امتداد هذا التاريخ، تشكلت الشخصية السودانية من عشرات القوميات ومئات القبائل وعشرات اللغات المحلية، حتى أصبحت من أكثر الهويات ثراءً في إفريقيا والعالم العربي.
إن الاعتزاز باللغة العربية لا يعني الذوبان في هوية غير هويتنا، كما أن الاعتزاز باللغات السودانية لا يعني معاداة العربية. فالعربية في السودان ليست لغة وافدة فحسب، بل أصبحت لغة حياة، وأدب، وقضاء، وتعليم، وشعر، وصحافة، وخطاب يومي. والأجمل من ذلك أن اللهجة السودانية احتفظت بكثير من الألفاظ العربية الفصيحة التي اندثرت في لهجات عربية أخرى، حتى إن الباحثين يجدون في مفردات الريف والبادية وكردفان ودارفور والجزيرة والشمال شواهد لغوية تلتقي مع ألفاظ القرآن الكريم والمعاجم العربية القديمة.
فنحن نقول: حول بمعنى سنة، وممحوق لمن ذهبت بركته، وفاقع للون الصافي، وسرح للماشية، وقفل بمعنى أغلق، ودس بمعنى أخفى، ونبز للإساءة بالألقاب، وورَد البئر لمن قصد الماء، والماعون لأواني البيت، وغيرها من المفردات التي لا تزال تنبض بالحياة في اللسان السوداني.
وهذا ليس ادعاءً للعروبة، بل شهادة على عمق تفاعل السودان مع اللغة العربية حتى أصبحت جزءًا من تكوينه الثقافي، دون أن تلغي لغاته الأخرى، كالنوبية والبجاوية والفوراوية والزغاوية والإنقسناوية وغيرها من لغات السودان الأصيلة.
إن الخطأ الذي وقع فيه كثيرون هو الخلط بين العربية لغةً والعروبة نسبًا. فاللغة تُكتسب بالتعلم والممارسة، أما النسب فلا يُكتسب بالادعاء. ولهذا نجد شعوبًا كاملة تتحدث الإنجليزية دون أن تكون إنجليزية، وتتحدث الفرنسية دون أن تكون فرنسية، وكذلك يتحدث السودانيون العربية بطلاقة، ويبدعون بها شعرًا ونثرًا وصحافةً، دون أن يكون ذلك دليلًا على أنهم جميعًا عرب.
السوداني الحقيقي لا يحتاج إلى استعارة هوية أحد. فهو ابن حضارة ضاربة في القدم، وابن أرض أنجبت ملوكًا وملكات قبل قيام كثير من الدول الحديثة. والسودان لم يكن يومًا بحاجة إلى شهادة انتماء من أحد، لأن تاريخه هو أكبر شهادة.
ولذلك، فإن قوة السودان ليست في صهر مكوناته داخل هوية واحدة، بل في الاعتراف بأن هذا الوطن يتسع للجميع؛ عربي اللسان، ونوبي اللسان، وبجاوي اللسان، وفوراوي اللسان، وكل من ينتمي إلى هذه الأرض ويؤمن بها وطنًا جامعًا.
نحن سودانيون أولًا… وهذا وحده مصدر فخر. نجيد لغة الضاد لأنها لغة ديننا، وثقافتنا، وأدبنا، وجزء من تاريخنا، لكننا لا نحتاج إلى ادعاء نسبٍ ليس معيارًا للمواطنة، ولا شرطًا للانتماء.
إن المستقبل الذي يستحقه السودان هو مستقبل تُصان فيه كل اللغات، وتُحترم فيه كل الثقافات، ويكون فيه الانتماء للوطن فوق كل انتماء، لأن الأوطان تُبنى بالمواطنة، لا بادعاءات الأنساب، ولأن السودان، بكل تنوعه، هو الهوية التي تكفينا فخرًا.


