الاخبار

كتب : قصي بشير | أزمة “بنكك”.. عندما تتحول الشاشة البيضاء إلى تهديد للأمن القومي

صوت الشارع

كتب : قصي بشير | أزمة “بنكك”.. عندما تتحول الشاشة البيضاء إلى تهديد للأمن القومي

بقلم: قصي بشير

المسألة أعمق بكثير من مجرد عطل فني في تطبيق هاتف يباغتك وأنت تحاول دفع قيمة مستلزمات يومية أو شراء دواء. لم يعد تطبيق “بنكك” مجرد خيار مصرفي لتسهيل المعاملات، بل تحول بسبب الظروف القائمة إلى الشريان الوحيد للسيولة المالية للسودانيين في الداخل والخارج، بحيث تؤدي أي انتكاسة في خوادم التطبيق إلى شلل تام في حركة الشارع.

هذا الانقطاع المتكرر يضع التطبيق والنظام المصرفي في قلب أزمة المواطن اليومية. المشكلة لا تكمن فقط في الأعطال التقنية المتكررة، بل في واقع أشد خطورة: ارتهان مجتمع كامل لمنصة رقمية واحدة، إن توقفت توقفت معها تفاصيل الحياة المعيشية.

تتوزع ملكية بنك الخرطوم بين مستثمرين من الخليج وأفراد إلى جانب حصص حكومية. والواقع أن تفسير الضعف التقني لا يتطلب بالضرورة تبني نظرية المؤامرة؛ إذ إن غياب المنافسة الحقيقية في السوق يتسبب تلقائيًا في تراجع رغبة المؤسسات في الضخ الاستثماري لتطوير خدماتها. غياب البديل الناجز يدفع البنك للتكاسل عن استثمار مبالغ ضخمة لتحديث خوادمه وتقوية شبكته، ما دام العميل مضطرًا للعودة إلى الخدمة نفسها لعدم وجود خيارات أخرى.

في المقابل، تبدو بقية البنوك السودانية خارج دائرة المنافسة الفعلية؛ جراء اعتمادها الممتد على المعاملات التقليدية وإهمال التأسيس لبنية تحتية رقمية متينة، وهو ما ظهر جليًا عند المحك الفعلي وأفسح المجال أمام منصة واحدة لتسيطر على السوق بشكل شبه كامل.

أما الموقف الحكومي، ممثلاً في بنك السودان المركزي ووزارة المالية، فيقتصر حتى الآن على المراقبة، رغم أن الاستقرار المالي يشكل ركنًا أساسيًا من أركان الأمن القومي، وأن تعطل المعاملات اليومية يلقي بظلاله المباشرة على حركة التجارة والسوق.

ويتطلب الخروج من هذا المأزق خطوات عمل ومسؤوليات محددة:

* بنك السودان المركزي: الانتقال من دور المراقبة إلى فرض معايير تقنية صارمة على جميع البنوك لتطوير تطبيقاتها وتأمين خوادمها، مع تسريع ربط الشبكات لضمان عدم توقف المعاملات عند تعثر منصة بعينها.

* وزارة المالية: التعامل مع الخدمات المالية الرقمية باعتبارها بنية تحتية حيوية لا تقل أهمية عن قطاعات الطاقة والمياه.

* إدارة بنك الخرطوم: اقتطاع نسبة من الأرباح المعتادة لتوسيع السيرفرات وتحديث البنية التقنية، والتعامل مع الأعطال المتكررة بوصفها مسألة تمس الاحتياجات الأساسية لملايين المستخدمين.

إن الأزمة الحالية تتجاوز مجرد تعثر في نظام آلي، لتعكس معاناة يومية للمواطن مع تحكم الشاشات الرقمية في قدرته على إدارة شؤونه المالية الأساسية.

(في المقال القادم: قراءة في هيكل ملكية بنك الخرطوم ومدى تأثيره على طبيعة الخدمات المقدمة).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى