مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | وجع الإغتراب ونار الإستقطاب | الجاليات رهينة الإنقسام والمغترب يدفع الثمن

صوت الشارع

مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | وجع الإغتراب ونار الإستقطاب | الجاليات رهينة الإنقسام والمغترب يدفع الثمن

​حين يغادر المهاجر وطنه قسراً أو طوعاً يحمل في حقيبته ذكرياته وتفاصيل هويته باحثاً عن أرض تستوعب أحلامه أو ملاذٍ يؤويه من أتون الصراعات ووطأة الأزمات لكن المشهد الذي ترسمه قطاعات واسعة من الجاليات السودانية في مختلف عواصم ومدن المهجر بات يعكس مفارقة مؤلمة إذ لم تعد الغربة مساحة للتضامن والتآزر في كثير من الأحيان بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الخلافات السياسية واستنساخ الصراع الداخلي بتفاصيله كافة ​بدلاً من أن تشكل الجاليات مجتمعات حماية مدنية توفر الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للقادمين الجدد والمقيمين من بني جلدتها إذ انعكست الانقسامات الحزبية والأيديولوجية الحادة على هياكل الروابط والكيانات المهنية والاجتماعية في بلاد المهجر فأصبحت الجمعيات التي أُسست تحت لافتات العمل الخيري والخدمي منقسمة على ذاتها فهنا رابطة توالي طرفاً وهناك تجمع يقف في أقصى الضفة المقابلة وبينهما تكتلات فرعية تتنازع الشرعية والتمثيل
​هذا الاستقطاب الصارم حوّل مقاهي الاغتراب وتجمعاته الدورية ومجموعات التواصل الافتراضي إلى منابر للتخوين والمزايدة وجعل من الاختلاف في الموقف السياسي عائقاً يحول دون تقديم يد العون لمن تقطعت بهم السبل و​في خضم هذا الصراع النخبوي والحزبي يبرز المواطن السوداني العادي “المغترب” سواء كان عاملاً مكافحاً أو طالباً يسعى لتسوية وضعه الأكاديمي أو أسرة نازحة حديثاً تحت وطأة الحرب بصفته الخاسر الأكبر والمتضرر المباشر إذ ​تتجلى هذه الخسارة في تفاصيل حياتة اليومية فت​تعطل الخدمات الأساسية المقدمه له عند غياب الكيانات الموحدة وهذا يوادى إلى شلل المبادرات الداعمة للمهاجر وفقدان الصناديق التكافلية التي كانت تعين المحتاجين في مواجهة تكاليف العلاج أو حتى المعاملات القنصلية التي كانت تزورة في منطقته بصورة مباشرة ولنا في ذلك أمثال كثيره وهذا الاختلاف يضيع التمثيل أمام جهات الاختصاص في البلد المضيف في حيرة إذ تواجه المجتمعات المضيفة جاليات مشتتة الصوت مما يضعف قدرتها على التفاوض الجماعي لتحسين أوضاع الإقامة وحل المشكلات القانونية وتقديم مظلة حماية حقيقية للعمال والوافدين
​زد على ذلك النفور من الصراعات الحزبية دفع شريحة واسعة من الكفاءات والأسر إلى الانكفاء على الذات وتفضيل العزلة خوفاً من التصنيف السياسي أو الاستقطاب القسري ما أفقد الجاليات رصيداً كبيراً من الخبرات فتحويل روابط الاغتراب أو الجاليات إلى أذرع للأحزاب والحركات السياسية يعكس أزمة بنيوية في فهم طبيعة عمل الجاليات فالكيان المدني في المهجر وظيفته الأساسية رعاية شؤون أفراده وتعزيز اندماجهم في تلك البلدان والمدن مع الحفاظ على هويتهم الوطنية الجامعة وليس خوض معارك التموضع السياسي لقد أثبتت التجارب أن زج العمل الطوعي والإنساني في دهاليز الأجندات الضيقة لا ينتج سوى الفشل المؤسسي وتآكل الثقة بين أبناء الوطن الواحد ​يبقى السؤال الملح الذي يتردد على لسان كل سوداني يكتوي بنار الغربة إلى متى تستمر هذه الحالة من التشرذم؟
إن التحديات المصيرية التي تواجه السودان وإنسانه في هذه المرحلة التاريخية والاستثنائية تتطلب وقفة نقدية للذات بل وقفه شجاعة تعيد ترتيب الأولويات “ياااخي” لا يمكن الاستمرار في هدر طاقات المغتربين في معارك افتراضية أو سياسية لا تسمن ولا تغني من جوع بينما تتفاقم مآسي العالقين وأصحاب الحاجات
عمق اخر…
​المخرج الحقيقي يبدأ من فك الارتباط الكامل بين الولاء السياسي والخدمة المجتمعية والعودة إلى نقاء الفكرة الأولى للعمل التعاوني والتكافلي الذي عُرف به السودانيون تاريخياً مانحتاجه هو خيمة جامعة تتسع للجميع دون فحص لانتماءاتهم فقط أن يكون الاعتماد على الكفاءة والنزاهة والسمعه الحسنه وأن يضع من يتولى الأمر مصلحة الإنسان وكرامته فوق كل اعتبار حزبي أو أيديولوجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى