مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | من الكرامة الإلهية إلى المواطنة الدستورية

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | من الكرامة الإلهية إلى المواطنة الدستورية

دكينيات (1116)
من الكرامة الإلهية إلى المواطنة الدستورية
نحو نظرية سودانية لحقوق الإنسان في مشروع العلمانية السودانية
Secularism Made in Sudan – كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
د. عصام دكين
2 نوفمبر 2026م
مقدمة: من أين يستمد الإنسان حقوقه؟
في سياق بحثي عن تأسيس مشروع فكري وسياسي جديد بعنوان «العلمانية السودانية – Secularism Made in Sudan»، أحاول بناء دراسة مقارنة بين نظرية حقوق الإنسان في الفكر السياسي الغربي، ونظرية حقوق الإنسان في الفكر السياسي الإسلامي، بهدف الوصول إلى تصور سوداني معاصر يستطيع استيعاب التعدد الديني والثقافي والعرقي والفكري الذي يميز السودان.
ينطلق هذا البحث من سؤال تأسيسي:
هل حقوق الإنسان حقوق طبيعية يقرّ بها القانون، أم حقوق أصيلة يستمدها الإنسان من تكريمه الإلهي، أم أن بالإمكان بناء تصور دستوري يجمع بين المرجعيتين؟
أولاً: حقوق الإنسان في الفكر السياسي الغربي
تطورت فكرة حقوق الإنسان في الفكر السياسي الغربي عبر مسار تاريخي وفلسفي طويل، من الوثيقة العظمى (Magna Carta) عام 1215م في إنجلترا، مروراً بإعلان الاستقلال الأمريكي عام 1776م، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي عام 1789م، وصولاً إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م.
وقد أسهم هذا المسار في ترسيخ مفاهيم الحقوق الطبيعية، والحرية الفردية، والمساواة أمام القانون، وسيادة القانون، وتقييد سلطة الدولة.
لكن ينبغي التمييز بين مصدر الحق وآليات حمايته؛ فالفلسفة الحقوقية الغربية لا تعتبر الحقوق بالضرورة منحة من الدولة، بل إن بعض أبرز تياراتها تنظر إليها باعتبارها حقوقاً سابقة على وجود السلطة السياسية.
ومع ذلك، تظل هناك إشكالية دستورية وعملية تتعلق بقدرة السلطات على تقييد بعض الحقوق أو تعليق ممارستها في حالات الطوارئ، تحت مبررات الأمن القومي والنظام العام.
وهنا تبرز أهمية الضمانات المؤسسية: القضاء المستقل، والرقابة البرلمانية، والرقابة الدستورية، والتناسب في فرض القيود، وحماية الحقوق التي لا يجوز الانتقاص منها حتى في حالات الطوارئ.
إذن، الإشكالية ليست أن الفكر الغربي يمنح الحقوق ثم ينزعها بالضرورة، وإنما أن الاعتراف النظري بالحقوق لا يكفي ما لم تصاحبه ضمانات دستورية ومؤسسية تحميها من تعسف السلطة.
ثانياً: التجربة السودانية وإشكالية استيراد النموذج الدستوري
منذ استقلال السودان عام 1956م، واجهت الدولة السودانية إشكاليات متكررة في بناء النظام الدستوري، وفي العلاقة بين السلطة والحقوق والحريات.
تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية، وشهدت البلاد انقلابات عسكرية، وتعليقاً للدساتير، وتقييداً للحريات العامة، وتدخلات في استقلال القضاء والإعلام والحياة السياسية.
ومن هنا يمكن طرح فرضية بحثية تستحق الاختبار:
هل أخذت التجربة السياسية السودانية من النماذج الدستورية الحديثة أدوات تنظيم السلطة الاستثنائية، دون أن تنجح بالقدر نفسه في بناء مؤسسات مستقلة قادرة على مراقبتها وتقييدها؟
لقد كشفت التجربة السودانية أن وجود النصوص الدستورية وحده لا يضمن احترام الحقوق، وأن الدولة التي لا تخضع مؤسساتها للمساءلة يمكن أن تحول القانون نفسه إلى أداة لتقييد الحريات.
وبالتالي، فإن أزمة حقوق الإنسان في السودان ليست أزمة تشريعات فحسب، بل هي أيضاً أزمة مؤسسات، وثقافة سياسية، وتوازن سلطات، وشرعية دستورية.
ثالثاً: حقوق الإنسان في التصور السياسي الإسلامي
في المقابل، ينطلق التصور الإسلامي للإنسان من مبدأ التكريم الإلهي، الذي لا يرتبط باكتساب الإنسان جنسية معينة، ولا بانتمائه إلى دين أو عرق أو قبيلة.
قال تعالى:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
وتكتسب الآية الثانية أهمية خاصة في تأسيس مفهوم الكرامة الإنسانية؛ لأنها تتحدث عن بني آدم، وليس عن جماعة دينية بعينها.
وهذا يفتح المجال لتأسيس قراءة حقوقية تنطلق من وحدة الأصل الإنساني، وعمومية التكريم، وعدم اختزال قيمة الإنسان في هويته الدينية أو العرقية أو الثقافية.
كما يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وتؤسس هذه الآية لمبدأ التعارف بين الشعوب والقبائل، وتضع التقوى معياراً أخلاقياً في العلاقة بين الإنسان وربه، لا أساساً لامتياز سياسي تمنحه الدولة لفئة على حساب فئة أخرى.
رابعاً: المقارنة بين المرجعيتين
يمكن تلخيص نقطة الالتقاء والاختلاف بين التصورين في الآتي:
في الفكر السياسي الغربي:
تطورت نظريات ترى أن حقوق الإنسان حقوق طبيعية أصيلة، وأن وظيفة الدولة الاعتراف بها وحمايتها، لا خلقها من العدم.
في التصور الإسلامي:
تستند الكرامة الإنسانية إلى التكريم الإلهي، وتستمد الحقوق مشروعية أخلاقية وتشريعية من منظومة تتصل بالعدل والمساواة والمسؤولية وحفظ النفس والمال والعقل والدين والنسل.
وهنا لا ينبغي اختزال الفكر الغربي في اتجاه واحد، ولا الفكر الإسلامي في اجتهاد فقهي واحد؛ فكلاهما يضم مدارس وتفسيرات وتجارب تاريخية متعددة.
ومع ذلك، يمكن أن تكون الكرامة الإنسانية أرضية مشتركة للحوار بين المرجعيتين.
خامساً: ماذا تعني الكرامة الإنسانية للسودان؟
إذا انطلقنا من مبدأ تكريم بني آدم، فإن الدولة السودانية لا ينبغي أن تكون دولة هوية واحدة، ولا دولة امتياز ديني أو عرقي أو ثقافي.
فالمواطن السوداني لا يستمد إنسانيته من اعتراف السلطة به، ولا تتوقف كرامته على انتمائه إلى جماعة معينة.
وعليه:
لا يجوز اختزال السودان في هوية عربية واحدة.
لا يجوز جعل الانتماء الديني شرطاً للمواطنة الكاملة.
لا يجوز إخضاع الحقوق السياسية والمدنية للانتماء القبلي أو الجهوي.
لا يجوز التمييز بين الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية.
لا يجوز إقصاء المسيحي أو المسلم أو غير المتدين من المجال الوطني بسبب معتقده.
لا يجوز أن تتحول الأغلبية السياسية أو الدينية إلى سلطة تحتكر تعريف الوطن والمواطنة.
إن السودان الذي يسع الجميع هو السودان الذي يعترف بالتعدد باعتباره حقيقة تأسيسية، لا مشكلة ينبغي التخلص منها.
سادساً: كيف نصنف حقوق الإنسان ونحميها؟
أقترح أن تقوم النظرية الحقوقية في مشروع العلمانية السودانية على ست مجموعات أساسية:
1. الحقوق الإنسانية الأساسية
الحق في الحياة.
الحق في الكرامة الإنسانية.
الحق في السلامة الجسدية.
الحماية من التعذيب والاختفاء القسري.
الحق في الشخصية القانونية.
2. الحقوق المدنية والشخصية
حرية الاعتقاد والضمير.
حرية التعبير والرأي.
حرية البحث العلمي.
الحق في الخصوصية.
حرية التنقل.
حرية التنظيم والتجمع السلمي.
3. الحقوق السياسية
المساواة في المواطنة.
المشاركة السياسية.
الانتخاب والترشح.
حرية تكوين الأحزاب.
تداول السلطة سلمياً.
مساءلة المسؤولين.
4. الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
الحق في التعليم.
الحق في الصحة.
الحق في العمل.
الحق في مستوى معيشي لائق.
العدالة في توزيع الفرص.
الحماية الاجتماعية.
5. الحقوق الثقافية والهوياتية
حماية اللغات السودانية.
صون الثقافات المحلية.
حرية ممارسة الشعائر الدينية.
الحق في عدم الانتماء الديني.
حماية التراث الثقافي.
عدم التمييز بسبب العرق أو اللون أو القبيلة أو اللغة.
6. الحقوق الجماعية والبيئية
الحق في السلام.
المشاركة في إدارة الموارد المحلية.
حماية البيئة.
العدالة في توزيع الثروة.
الحق في التنمية المتوازنة.
حماية حقوق الأجيال القادمة.
لكن تصنيف الحقوق لا يكفي؛ فالمسألة الأساسية هي كيفية تحويلها إلى التزامات دستورية وقانونية قابلة للإنفاذ.
ولذلك أقترح أن تتضمن النظرية السودانية ضمانات دستورية واضحة، أبرزها:
دستور مدني يضمن المساواة في المواطنة.
قضاء دستوري مستقل.
حظر التعذيب والاختفاء القسري دون استثناء.
تنظيم حالات الطوارئ وفق الضرورة والتناسب والمدة المحددة والرقابة القضائية والتشريعية.
مفوضية وطنية مستقلة لحقوق الإنسان.
حق المواطنين في التقاضي والانتصاف.
حظر التمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون أو اللغة أو النوع أو الرأي السياسي.
حماية استقلال المؤسسات الإعلامية والأكاديمية والنقابية.
سابعاً: هل يمكن أن تكون العلمانية السودانية جسراً بين المرجعيات؟
هنا نصل إلى جوهر المشروع.
إن العلمانية السودانية التي أبحث عنها ليست بالضرورة استنساخاً للنموذج الفرنسي أو الأمريكي أو غيرهما، وليست مشروعاً لإقصاء الإسلام من المجال العام، كما أنها ليست مشروعاً لفرض تفسير ديني واحد على جميع المواطنين.
إنها محاولة لبناء صيغة دستورية سودانية تنظم العلاقة بين الدين والدولة، وتحمي حرية الاعتقاد، وتضمن عدم احتكار السلطة باسم الدين أو العرق أو الثقافة.
فالمواطن المسلم يستطيع أن يستلهم مفهوم الكرامة والعدل من القرآن الكريم، والمواطن المسيحي يستطيع أن يستند إلى مرجعيته الدينية، والمواطن غير المتدين يستطيع أن يستند إلى مرجعيته الفلسفية والإنسانية.
لكن الجميع يلتقون أمام دستور يضمن الحقوق والحريات والمساواة.
وهنا يجب أن نطرح سؤالاً جوهرياً:
كيف نمنع تحويل تفسير ديني واحد إلى مصدر إلزام سياسي وقانوني لجميع المواطنين، مع احترام حق المجتمع في التعبير عن مرجعياته الدينية والأخلاقية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون من أهم اختبارات المشروع.
ثامناً: الأطروحة المركزية للعلمانية السودانية
يمكن صياغة الفرضية التأسيسية للمشروع على النحو التالي:
إن الدولة السودانية المنشودة يجب أن تقوم على المواطنة المتساوية، والكرامة الإنسانية، والحرية، والعدالة، وسيادة القانون، والتعددية الثقافية والدينية.
ولا تستمد الدولة شرعيتها من فرض هوية دينية أو عرقية أو ثقافية واحدة، وإنما من قدرتها على حماية حقوق جميع المواطنين، وضمان مشاركتهم المتساوية في إدارة شؤونهم العامة.
وبهذا المعنى، يمكن أن تكون الكرامة الإنسانية، التي يؤسس لها القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، إحدى المرجعيات الأخلاقية والفكرية للحوار حول بناء دولة سودانية مدنية تتسع لجميع أبنائها.
خاتمة: كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
إن السؤال الذي أبحث عنه في مشروع العلمانية السودانية ليس مجرد سؤال عن شكل الحكم، ولا عن موقع الدين في الدستور، ولا عن العلاقة بين الإسلام والدولة.
إنه سؤال أعمق:
كيف نبني دولة لا يخاف فيها الإنسان من اختلافه، ولا يفقد فيها المواطن حقوقه بسبب دينه أو عرقه أو لونه أو لغته أو رأيه؟
كيف نبني دولة لا يستطيع فيها الحاكم تعليق كرامة الإنسان بقرار، ولا تستطيع فيها الأغلبية مصادرة حقوق الأقلية، ولا تستطيع فيها جماعة احتكار تعريف الوطن؟
إن نقطة الانطلاق هي الاعتراف بأن الإنسان ليس ملكاً للدولة، وأن كرامته ليست امتيازاً سياسياً، وأن المواطنة ليست مكافأة على الولاء.
الدولة لا تمنح الإنسان إنسانيته، وإنما تعترف بها وتحميها.
وهنا تتبلور الفكرة التي أريد أن أبني عليها مشروع العلمانية السودانية: أن ننتقل من دولة تمنح الحقوق وفق ميزان القوة والولاء، إلى دولة تحمي الحقوق وفق ميزان الكرامة والمواطنة والقانون.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الباحثين والمفكرين والقانونيين والسياسيين:
هل نستطيع تأسيس نظرية سودانية لحقوق الإنسان، تستلهم الكرامة الإلهية، وتستوعب التعدد الإنساني، وتترجم ذلك إلى دستور مدني يحمي الجميع دون استثناء؟
هذا هو التحدي الفكري والسياسي الذي أضعه أمام مشروع:
العلمانية السودانية – Secularism Made in Sudan.
د. عصام دكين
2 نوفمبر 2026م

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى