بكاء على وطني المحبوب | عماد الدين السنهوري | فوضى القرار رقم (285) وأعباء الوطن والمواطن | مناشدة لإلغاء القرار وتيسير تعويض السيارات المنهوبة

صوت الشارع
مقالات وكتاب
بكاء على وطني المحبوب | عماد الدين السنهوري | فوضى القرار رقم (285) وأعباء الوطن والمواطن | مناشدة لإلغاء القرار وتيسير تعويض السيارات المنهوبة
كان المنتظر أن تراعي سياسات استيراد السيارات حاجة السودانيين إلى تعويض ما فقدوه في الحرب، وأن تساعد الأسر على استعادة وسائل تنقلها ومصادر رزقها. لكن القرار رقم 285 لسنة 2026، بصيغته المنشورة، يضيّق هذه الفرصة أمام فئات من المواطنين، ويستدعي مراجعة عاجلة لآثاره على الناس وعلى فرص تعافي الاقتصاد الوطني.
لقد فقد كثير من المواطنين سياراتهم خلال الحرب، ونهبت عناصر مليشيا الدعم السريع ممتلكات المدنيين، ومنها السيارات، في الخرطوم والجزيرة ومناطق أخرى. ووثّق المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام وقائع واتهامات تتعلق بنهب المركبات بواسطة الدعم السريع ومليشيات متحالفة معه، فيما أشار معهد الدراسات الأمنية إلى دور رئيسي لأفراد الدعم السريع في نهب السيارات وبيعها عبر الحدود مع تشاد. نحن أمام خسارة واسعة أصابت ممتلكات الأسر ووسائل عيشها.
خلف كل سيارة منهوبة أسرة فقدت مالًا ادخرته، وربما وسيلة عمل أو انتقال إلى المستشفى والمدرسة. ومن يحاول شراء سيارة بديلة بعد هذه الخسارة يحتاج إلى شروط معقولة تناسب قدرته المالية. لذلك يجب أن تكون أوضاع ضحايا النهب جزءًا أساسيًا من أي سياسة جديدة للاستيراد، وأن تراعي الدولة الفرق بين شراء سيارة إضافية ومحاولة تعويض سيارة سُلبت من صاحبها.
وبحسب الضوابط المنشورة، أبقى القرار 285 على حظر استيراد السيارات المستعملة مع استثناءات محددة، وربط الاستفادة بشروط تخص الفئات المشمولة وعمر السيارة. كما تضمنت معالجة السيارات الموجودة بالموانئ التي تتجاوز العمر المسموح غرامة تعادل 50% من القيمة، مع مهلة تخليص مدتها 60 يومًا. وهذه الغرامة تخص تلك الحالة، وليست مفروضة على كل سيارة مستوردة.
بهذه القيود، تضيق خيارات المواطن الذي لا يستطيع شراء سيارة جديدة أو حديثة، ولا يستوفي شروط الاستثناء. فالسيارة المستعملة السليمة فنيًا قد تكون البديل الذي تسمح به مدخراته، وإغلاق هذا المسار أو تحميله أعباء لا يقدر عليها يمكن أن يحرمه عمليًا من امتلاك سيارة مناسبة لإمكاناته. وتشتد المشكلة لدى من فقد سيارته بالنهب ويحاول البدء من جديد.
وفي تقديرنا، يبدو القرار غير مدروس بما يكفي من حيث آثاره الاجتماعية والاقتصادية على المتضررين من الحرب. فالشروط المنشورة تثير أسئلة جوهرية عن مدى مراعاة خسائر المواطنين وقدرتهم على التعويض. أين دراسة الأثر التي قارنت بين أهداف تقييد الاستيراد وحاجة الناس إلى استعادة ممتلكاتهم؟ وما البديل المتاح لمن لا يملك ثمن سيارة تستوفي الشروط الجديدة؟
على الحكومة أن تنشر الدراسة التي استندت إليها، وأن توضّح ما إذا كانت قد تناولت أوضاع أصحاب السيارات المنهوبة، ومستويات الدخل، وأثر القيود على الأسعار والعمل. إن الحكم على نجاح القرار يجب أن يستند إلى أثره الفعلي على حياة الناس والاقتصاد. ونشر هذه الدراسة ومناقشتها علنًا هو السبيل لتوضيح مبررات القرار وتصحيح ما أغفله من آثار.
ويمتد الضرر المحتمل إلى الوطن كله. فتقييد دخول السيارات المناسبة لقدرة الناس الشرائية قد يقلص المعروض ويضغط على الأسعار، ويؤخر استعادة وسائل النقل والعمل. كما أن تعطل الاستيراد النظامي يمكن أن يؤثر في أعمال الشحن والتخليص والصيانة وقطع الغيار، فتصل الآثار إلى عمال وأسر لا يملكون سيارات أصلًا. ولهذا تحتاج الدولة إلى تقييم اقتصادي يشمل هذه الأنشطة مجتمعة.
وحماية النقد الأجنبي وتنظيم الاستيراد هدفان يتطلبان موازنة دقيقة مع احتياجات التعافي. فالسيارات المستخدمة في العمل وخدمة الأسر لها منفعة اقتصادية واجتماعية ينبغي احتسابها. والسياسة المناسبة تستطيع وضع ضوابط للسلامة والفحص الفني والملكية والتمويل، مع توفير مسار ميسر ومدروس لتعويض ضحايا النهب، بدل دفعهم إلى بدائل تفوق طاقتهم.
ويحتاج من اشترى سيارة أو شحنها قبل صدور القرار إلى معالجة تحفظ التزاماته السابقة. فتراكم تكاليف التخزين، أو الاضطرار إلى إعادة الشحن، قد يضيف خسائر جديدة إلى أسر استنزفتها الحرب. ومن الإنصاف اعتماد مستندات الشراء والشحن أساسًا لتسوية هذه الحالات، ومراجعة الغرامات والرسوم المرتبطة بتأخير لم يتسبب فيه المواطن.
لذلك نناشد رئيس مجلس الوزراء، الدكتور كامل إدريس، إلغاء القرار وإعادة صياغة الضوابط بعد دراسة معلنة ومشاورة الجهات المختصة وممثلي المتضررين. وإذا تعذر الإلغاء الفوري، فنطالب بمنح مهلة انتقالية لا تقل عن ستة أشهر من تاريخ إعلان التمديد، مع تأجيل تطبيق القيود الجديدة على الحالات المشمولة بالمعالجة، ومراجعة الأعباء المالية التي تعوق التخليص.
ونطالب كذلك بمسار استثنائي واضح لمن يثبت نهب سيارته خلال الحرب، يتيح له استيراد سيارة بديلة بشروط ميسرة وضمانات تمنع التحايل. وينبغي أن تشمل المراجعة قيد الاستفادة مرة واحدة في العمر بالنسبة لمن سبق له الاستفادة ثم نُهبت سيارته، مع ربط المعالجة ببلاغات الفقد ومستندات الملكية، ومراعاة من تعذر عليهم استكمال الوثائق بسبب الحرب.
السيد رئيس مجلس الوزراء، المواطن الذي فقد سيارته على يد مليشيا الدعم السريع يحتاج من الدولة إلى حماية ومساندة وفرصة عادلة للتعويض. نناشدكم مراجعة القرار قبل أن تتفاقم الأعباء، وإصدار معالجة تساعد الناس على استعادة حياتهم وأعمالهم. إن مصلحة الوطن تقتضي سياسات تمكّن المواطنين من النهوض، وتفتح أمامهم سبل التعافي.



