مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | كيف نبني السودان ليسع الجميع؟ مشروع التسوية والعلمانية السودانية

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | كيف نبني السودان ليسع الجميع؟ مشروع التسوية والعلمانية السودانية

دكينيات (2001).

كيف نبني السودان ليسع الجميع؟
مشروع التسوية والعلمانية السودانية.

بقلم: د. عصام حامد دكين
أم درمان – 29 سبتمبر 2026م.

أكتب ما أراه حقاً، وأترك الحكم للقارئ. لا أبيع قناعة إرضاءً لأحد، ولا أخفي رأياً تقيةً من أحد. تعلمت أن العاطفة قد تُغبِّش النظر، وأن الواقعية تُجليه.
سأظل ابن الحارات والأزقة والريف وغبار الملاعب، من جمهور العوام، أعيش على كفافٍ مقنعٍ ساتر، وذُخري أبنائي الذين أربيهم على حب بلادهم. لا أطلب مالاً ولا سلطة، وإنما أبحث عن وطنٍ يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه مختلفين دون أن يقتل بعضهم بعضاً.
المشكلة ليست في الدين ولا في العلمانية
المشكلة الحقيقية ليست في الدين ولا في العلمانية، وإنما في الصراع الصفري حولهما.
منذ الاستقلال، ونحن ندور في الحلقة نفسها:
الإسلاميون يقولون: الإسلام هو الحل.
العلمانيون يقولون: العلمانية هي الحل.
اليساريون يقولون: الاشتراكية هي الحل.
والمشكلة تبدأ عندما يتحول أي مشروع فكري أو سياسي إلى مشروع إقصاء؛ فيرى صاحبه أن السودان لا يستقيم إلا إذا أُقصي الآخر.
وعندما يتمكن طرف من السلطة، يسعى أحياناً إلى إلغاء خصومه بدلاً من إدارة الاختلاف معهم. وكانت المحصلة: عشرات الأحزاب والحركات، وانقلابات عسكرية، وصراعات أيديولوجية، ثم الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023م وما ترتب عليها من كارثة وطنية وإنسانية.
وقد شخصنا جانباً من هذه الأزمة في دكينيات (101) و(102).
فقد ناقشنا طرح حيدر إبراهيم علي حول الإسلام السياسي بوصفه فكراً مرتبطاً بالأزمة، كما توقفنا عند طرح البغدادي حول مخاطر تحويل الدين إلى أيديولوجيا سياسية تُربط بها شرعية الدين بشرعية المشروع السياسي.
وأنا أضيف إلى ذلك:
كما أن تحويل الدين إلى أيديولوجيا سياسية قد يضر بالدين والوطن، فإن تحويل العلمانية إلى أيديولوجيا إقصائية قد يضر بالعلمانية والوطن معاً.
فالمشكلة ليست في المصطلح وحده، وإنما في طريقة استخدامه وفي علاقته بالسلطة والمواطنة والحقوق.
مشروعي الوطني: التسوية السياسية التاريخية
من هنا أطرح مشروعاً أراه ضرورياً للنقاش:
التسوية السياسية التاريخية.
وأطرح اليوم، في دكينيات (2001)، فكرة:
Secularism Made in Sudan
علمانية سودانية الصنع
لا أقصد بها العلمانية الفرنسية بحمولتها التاريخية الخاصة، ولا العلمانية التركية في سياقها العسكري والتاريخي، ولا الدولة الدينية.
أقصد تسوية سودانية تنطلق من واقع السودان نفسه، ومن تعدده الديني والثقافي والاجتماعي، ومن حاجته إلى دولة تحمي الجميع ولا تتحول إلى أداة في يد جماعة ضد جماعة.
وأقترح أن تقوم هذه التسوية على ثلاثة أركان أساسية:
أولاً: الوطن وعاء الدين، والدين ليس وعاء الوطن
أستعير هنا العبارة التي تقول:
«الوطن وعاء الدين».
فالسودان وطن يتسع للمسلم والمسيحي واللاديني، وللصوفي والسلفي والعلماني واليساري والمحافظ، ولكل من يلتزم بالقانون ويحترم حق الآخرين في الوجود والمواطنة.
الدين حق أصيل للفرد والمجتمع، لكن الوطن أوسع من انتماء ديني أو أيديولوجي واحد.
لذلك يجب أن تكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات، لا الانتماء الحزبي، ولا الطائفة، ولا القبيلة، ولا الجهة، ولا الموقف الأيديولوجي.
السودان ليس ملكاً للإسلاميين، ولا للعلمانيين، ولا لليساريين، ولا للعسكريين، ولا لأي حزب أو حركة.
السودان للسودانيين جميعاً.
ثانياً: فصل المؤسسات لا فصل القيم
لا أرى أن المطلوب هو فصل المجتمع عن دينه، ولا محاربة التدين، ولا إخراج القيم الدينية من المجال الاجتماعي.
المطلوب هو الفصل المؤسسي بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الدولة، حتى لا تتحول الدولة إلى أداة لفرض تفسير ديني واحد، وحتى لا يُستخدم الدين لتبرير الاستبداد أو المحسوبية أو الغنيمة السياسية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول الدولة إلى مشروع لاستعداء الدين أو استفزاز وجدان المجتمع.
الدولة محايدة تجاه الأديان والمعتقدات، لكنها ليست معادية للدين.
والقيم الدينية يمكن أن تبقى حاضرة في المجتمع بوصفها مصدراً أخلاقياً وثقافياً وروحياً، لا بوصفها أداة لاحتكار السلطة.
بعبارة أبسط:
الدولة تدير، والدين يهذب.
الدولة تبني الطرق، والدين يبني الضمير.
الدولة تحمي الحقوق، والقيم تهذب السلوك.
وهنا يجب التفريق بين حياد الدولة وعداء الدولة للدين.
فالحياد لا يعني أن الدولة تكره الدين، كما أن احترام الدين لا يعني أن الدولة تتبنى ديناً أو مذهباً بعينه.
ثالثاً: عقد اجتماعي جديد ينهي حرب الشعارات
نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد، لا يقوم على انتصار طرف وإذلال طرف آخر، وإنما على قواعد يتفق عليها الجميع.
ومن أهم هذه القواعد:
1. دستور دائم
دستور يكتبه السودانيون، ويعبر عن تنوعهم، ويستند إلى إرادتهم، لا إلى وصفة مستوردة من الخارج.
2. لا شريعة تُفرض بالقوة، ولا علمانية تُفرض بالقوة
القوانين لا تُفرض بقوة السلاح، ولا باسم القداسة، ولا باسم الأيديولوجيا.
3. البرلمان المنتخب هو ساحة التشريع
التشريع شأن مؤسسي يمارسه برلمان منتخب وفق دستور واضح، مع احترام الحقوق الأساسية والتنوع الديني والثقافي للمجتمع.
4. المحكمة الدستورية حارس الحقوق
لا يكفي أن نكتب الحقوق في الدستور؛ يجب أن توجد مؤسسة مستقلة قادرة على حمايتها ومراجعة القوانين التي تتعارض معها.
5. لا ديمقراطية بلا مؤسسات
التجربة السودانية أثبتت أن المشكلة ليست فقط في النصوص، وإنما في غياب المؤسسات أو تعطيلها.
ولهذا فإن المجلس التشريعي، والمحكمة الدستورية، والانتخابات الحرة، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، وحق التنظيم السياسي، كلها ليست كماليات؛ وإنما هي آليات حماية للتسوية نفسها.
لماذا التسوية الآن؟
لأن السودان يعيش واحدة من أصعب لحظاته.
نحن في غربة وليل ومطر، وعربتنا معطلة في طريق وعر.
في الميدان، يريد الضابط والجندي أن يعودا إلى وطن آمن.
وفي الحقل، يريد الفلاح أن يزرع ويحصد دون خوف.
وفي السوق، يريد التاجر أن يعمل.
وفي الجامعة، يريد الطالب أن يتعلم.
وفي المسجد، يريد المصلّي أن يعبد الله آمناً.
وفي الكنيسة، يريد المسيحي أن يمارس شعائره آمناً.
واللاديني يريد أن يعيش معتقده أو عدم اعتقاده دون أن يُضطهد بسبب ذلك.
الهدف المشترك هو ألا نستأصل بعضنا بعضاً.
وهنا تصبح التسوية ليست تنازلاً عن الوطن، وإنما وسيلة لإنقاذ الوطن.
لا نعين عدواً متربصاً على بلادنا
التسوية لا تعني الصمت عن الأخطاء.
ولا تعني أن نقول للمخطئ: أحسنت.
بل نقول للمخطئ:
أخطأت.
لكن نقولها بحكمة، وبقوة الحجة، وبالوقائع، دون فحش أو سفه أو تحريض على الكراهية.
نحن نختلف، وننتقد، ونحاسب، ونطالب بالعدالة، لكننا لا نحول الخلاف السياسي إلى حرب وجودية.
فالاختلاف السياسي طبيعي.
أما تحويل الخصم السياسي إلى عدو وجودي، فذلك هو الطريق الذي يجعل كل تسوية مستحيلة.
التسوية ليست صفقة بين النخب
والتسوية التي أتحدث عنها ليست صفقة بين السياسيين في الفنادق، ولا اتفاقاً بين قادة الأحزاب على اقتسام المناصب.
التسوية الحقيقية يجب أن تكون بين السودانيين أنفسهم.
تسوية حول:
شكل الدولة.
حقوق المواطنة.
العلاقة بين الدين والدولة.
تداول السلطة.
الجيش والأجهزة النظامية.
استقلال القضاء.
النظام الفيدرالي أو اللامركزي.
توزيع الثروة.
العدالة الانتقالية.
حقوق الأقاليم والمكونات الثقافية.
الحريات العامة.
حماية الأقليات.
وآليات انتقال السلطة سلمياً.
فإذا اتفقنا على قواعد اللعبة، يمكن أن نختلف داخلها دون أن يتحول اختلافنا إلى حرب.
لا غالب ولا مغلوب في الهوية
التسوية التي أقترحها لا تعني أن ينتصر الإسلاميون على العلمانيين، أو العلمانيون على الإسلاميين، أو اليسار على اليمين.
لا غالب ولا مغلوب في الهوية.
الغالب هو السودان.
الإسلاميون يقبلون بأن الدولة للجميع.
والعلمانيون يقبلون بأن الدين حق للجميع.
واليساريون يقبلون بأن العدالة حق للجميع.
والقوى المحافظة تقبل بأن الاختلاف حق للجميع.
والقوى الثورية تقبل بأن المؤسسات والقانون فوق الجميع.
والعسكريون يعودون إلى دورهم الدستوري، والسياسيون يحتكمون إلى الانتخابات، والمواطن لا يخسر حقه لأنه ينتمي إلى هذا الدين أو ذاك الحزب أو تلك المنطقة.
هل يمكن أن تكون هناك علمانية سودانية؟
ربما يكون السؤال الأهم:
هل نستطيع أن نبني نموذجاً سودانياً للعلاقة بين الدين والدولة، يحمي المسجد والكنيسة، ويحمي حق الإنسان في أن يؤمن أو ألا يؤمن، وفي الوقت نفسه يحمي الدولة من أن تتحول إلى مسجد أو كنيسة أو حزب؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
ولست أزعم أنني أملك الإجابة النهائية.
لكنني أزعم أن السودان يحتاج إلى أن يفتح هذا النقاش بشجاعة وهدوء وعقلانية.
فربما لا نحتاج إلى استيراد نموذج فرنسي أو تركي أو غيره.
وربما يكون الحل في بناء نموذج سوداني نابع من تاريخنا وتركيبتنا وتجربتنا ومصالحنا.
علمانية سودانية لا تحارب الدين، ودولة لا تستخدم الدين، ومواطنة لا تسأل الإنسان قبل أن تمنحه حقه: من أي طائفة أنت؟
ختامها مسك
دقوا كفركم…
وندق كفرنا…
والكورة أجوان…
والجمهور حكم ساحة.
لكن هذه المرة، الكورة هي:
بناء السودان.
فلنختلف كما نشاء.
ولنناقش الدين والعلمانية والاشتراكية والليبرالية والمحافظة والثورة والدولة.
لكن لنتفق على شيء واحد:
ألا يتحول اختلافنا إلى سبب لفناء وطننا.
هذا هو سؤال دكينيات (2001):
كيف نبني السودان ليسع الجميع؟
والسؤال الذي أضعه أمام القارئ اليوم:
هل نستطيع أن نبني علمانية سودانية تحمي المسجد والكنيسة، وتحمي حق اللاديني في ألا يؤمن، وتحمي في الوقت نفسه الدولة من أن تتحول إلى مسجد أو كنيسة أو حزب؟
أكتب ما أراه حقاً، وأترك الحكم للقارئ.
د. عصام حامد دكين
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي ولسان حال المظلومين
أم درمان – سبتمبر 2026م

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى