بصراحة اقتصادية | عبد المنعم علي التوم | من واقع التجربة والممارسة : الدولار ورقة والجنيه السوداني ورقة.. وشتان ما بين الورقتين

صوت الشارع
مقالات وكتاب
بصراحة اقتصادية | عبد المنعم علي التوم | من واقع التجربة والممارسة : الدولار ورقة والجنيه السوداني ورقة.. وشتان ما بين الورقتين
الدولار الأمريكي ورقة، والجنيه السوداني ورقة.
كلاهما يُطبع على الورق، وكلاهما يحمل اسم دولة وسيادتها، وكلاهما يفترض أن يمثل قيمة اقتصادية وقوة شرائية داخل بلده وخارجه.
ولكن شتان ما بين الورقتين!
فكيف تحولت ورقة الدولار الأمريكي إلى واحدة من أهم العملات في العالم، وأصبحت العملة الاحتياطية الرئيسية في النظام النقدي الدولي، بينما أصبح الجنيه السوداني ورقة تتناقص قوتها الشرائية يومًا بعد يوم؟
هل حدث ذلك بقضاء وقدر؟
أم أن وراء الورقة الأمريكية دولةً بنت مؤسساتها، وحمت عملتها، وربطت قوتها النقدية بقوة اقتصادية وتجارية ومالية وعسكرية وسياسية هائلة؟
من بريتون وودز بدأت الحكاية
بعد الحرب العالمية الثانية، اجتمعت في مدينة بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية، عام 1944، وفود 44 دولة حليفة لوضع قواعد جديدة للنظام النقدي والمالي الدولي، بعد الفوضى النقدية والاقتصادية التي شهدها العالم في سنوات ما بين الحربين.
وكان الدولار في قلب النظام الجديد.
فقد حُددت قيمة الدولار بالنسبة إلى الذهب عند 35 دولارًا للأوقية، وربطت الدول المشاركة عملاتها بالدولار ضمن نظام أسعار صرف ثابتة ولكن قابلة للتعديل في ظروف استثنائية. كما أُنشئ صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، لتوفير إطار مؤسسي للاستقرار النقدي والتمويل وإعادة الإعمار والتنمية.
وهكذا لم تكن الورقة الأمريكية مجرد ورقة.
كانت وراءها منظومة دولية كاملة.
وقد استمر نظام بريتون وودز حتى دخل مرحلة الانهيار في أوائل سبعينيات القرن الماضي، إلى أن أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في 15 أغسطس 1971 وقف قابلية تحويل الدولار إلى الذهب لدى البنوك المركزية الأجنبية، فانتهت بذلك أهم ركائز النظام القديم.
لكن المثير في الأمر أن انتهاء بريتون وودز لم يؤدِّ إلى انتهاء الدولار.
بل حدث العكس.
استمر الدولار، واستمرت قوته، واستمر العالم في استخدامه على نطاق واسع في التجارة والتمويل والاحتياطيات الدولية.
وهنا تكمن أهمية التجربة الأمريكية.
الدولار لم يصبح دولارًا بقرار!
الدولار لم يصبح العملة الأهم في العالم لأن الولايات المتحدة طبعت ورقة جميلة تحمل صورة جورج واشنطن.
ولم يصبح عملة احتياطية لأن بقية دول العالم قررت أن تمنحه هذه المكانة مجانًا.
وراء الدولار اقتصاد ضخم، وأسواق مالية عميقة، ومؤسسات نقدية ومالية، وقدرة إنتاجية وتكنولوجية، وشبكة واسعة من التجارة والاستثمار والتمويل، وثقة دولية تراكمت عبر عقود.
كما أن الولايات المتحدة عملت على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في مختلف أنحاء العالم، ولم تتعامل مع عملتها باعتبارها مجرد ورقة تُترك لقوى السوق وحدها لتقرر مصيرها.
وفي عام 1974 تعززت العلاقة الاقتصادية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية من خلال اتفاق للتعاون في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والدفاع، وإنشاء لجنة مشتركة للتعاون الاقتصادي، في سياق إقليمي ودولي شديد الأهمية بالنسبة للطاقة والاقتصاد والأمن.
ومن المهم هنا ألا نختصر تلك العلاقة التاريخية في عبارة واحدة من نوع «اتفاق بيع النفط بالدولار»، لأن الوثائق الرسمية المتاحة تصف إطارًا أوسع للتعاون الاقتصادي والدفاعي والتقني.
العالم فهم الدرس
مع مرور الزمن، أدركت دول العالم أن قوة العملة الوطنية لا تُبنى بالشعارات.
فالدولة التي تريد عملة قوية تحتاج إلى إنتاج قوي، وصادرات، وموارد نقد أجنبي، واحتياطيات، وانضباط مالي ونقدي، ونظام مصرفي قادر على حماية موارد الدولة، وتشريعات تحافظ على سيادة العملة الوطنية.
ولهذا أصبحت معظم الدول تعمل على بناء احتياطياتها من العملات الأجنبية والذهب، وعلى زيادة قدرتها التصديرية، وعلى المحافظة على مواردها من النقد الأجنبي.
كما ظهرت خلال السنوات الأخيرة مساعٍ متعددة من دول صاعدة لتقليل الاعتماد على الدولار في بعض جوانب التجارة والتمويل الدولي، ومن بينها دول مجموعة بريكس وغيرها.
لكن حتى هذه المساعي لا تعني أن العالم قد عاد بالفعل إلى معيار الذهب، أو أن نظامًا نقديًا عالميًا بديلًا عن الدولار قد اكتمل؛ فالنظام الدولي الحالي ما زال يقوم على تعدد العملات، مع استمرار الدولار في موقع مركزي في الاحتياطيات والأسواق المالية والتجارة الدولية.
ثم نأتي إلى ورقة الجنيه السوداني!
هنا تبدأ الحكاية المؤلمة.
الجنيه السوداني أيضًا ورقة.
ولكن شتان ما بين الورقتين!
وراء الورقة الأمريكية دولة تتعامل مع عملتها باعتبارها جزءًا من قوتها الاقتصادية والاستراتيجية.
أما الجنيه السوداني، فمن المؤسف أن منظومة حمايته ظلت في أحيان كثيرة أضعف بكثير من حجم المسؤولية التي يفترض أن تتحملها الدولة تجاه عملتها الوطنية.
الجنيه لا يحتاج إلى خطب عصماء.
ولا يحتاج إلى بيانات إنشائية.
إنما يحتاج إلى حماية مؤسسية حقيقية.
يحتاج إلى قوانين تُحترم، وسياسات نقدية منضبطة، وموارد النقد الأجنبي التي تدخل البلاد وتُدار وفق رؤية وطنية، واحتياطيات حقيقية، وصادرات تُدار حصائلها بطريقة تحفظ قوتها للاقتصاد الوطني، وحسابات حكومية تخضع للرقابة، ونظام مصرفي يعمل وفق قواعد واضحة، وسوق صرف لا تترك فيه العملة الوطنية فريسة للمضاربات والممارسات التي تضعفها.
فالعملة الوطنية ليست سلعة عادية.
إنها رمز من رموز سيادة الدولة.
وعندما تضعف العملة الوطنية، لا يضعف سعر ورقة نقدية فحسب؛ وإنما تتراجع معها القوة الشرائية للمواطن، وترتفع تكلفة الواردات، وتتآكل المدخرات، وتضطرب حركة التجارة والاستثمار، ويصبح الاقتصاد كله أسيرًا للعملات الأجنبية.
شتان بين الورقتين!
ورقة الدولار الأمريكي ليست قوية لأنها ورقة.
إنما الورقة قوية بما وراءها.
وراءها إنتاج، وتجارة، وأسواق، واحتياطيات، ومؤسسات، وقوانين، وسياسات، ومصالح دولة تعرف قيمة عملتها.
أما الجنيه السوداني، فإن مشكلته ليست في الورقة نفسها، ولا في لونها ولا في حجمها ولا في الحبر الذي طُبعت به.
المشكلة في ما وراء الورقة.
في مقدار ما تحمله الدولة من مسؤولية تجاهها.
في مقدار ما تحمي به موارد النقد الأجنبي.
في مقدار ما تحافظ به على حصائل الصادرات.
في مقدار ما تفرض به سيادة القانون.
وفي مقدار ما تملك من إرادة حقيقية لجعل الجنيه السوداني أداة للسياسة الاقتصادية، لا مجرد مرآة تعكس أزمات الاقتصاد.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا الدولار قوي؟
بل السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو:
ماذا فعلت الولايات المتحدة من أجل حماية ورقتها، وماذا فعلنا نحن من أجل حماية ورقتنا؟
هناك ورقة تحيط بها منظومة دولة كاملة، وتدافع عن مصالحها الاقتصادية بكل ما تملك.
وهناك ورقة سودانية تركت في مهب الريح، تتجاذبها الأسواق، وتتنازعها المضاربات، وتدفع بها الظروف من موجة إلى أخرى، حتى أصبح المواطن ينظر إليها في حيرة، ولا يعرف إلى أين ستأخذها الموجة التالية.
ورقتان من ورق…
لكن وراء إحداهما دولة تحرس قيمتها.
وخلف الأخرى دولة ما زالت تبحث عن الطريق إلى حماية قيمتها.
فشتان… شتان ما بين الورقتين!
تقديم/
عبدالمنعم على التوم
24 سبتمبر 2026



