دكينيات | دكتور : عصام دكين | هل الحركة الإسلامية اقامت دولة سلطوية(15) – (14)

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور : عصام دكين | هل الحركة الإسلامية اقامت دولة سلطوية(15)
دكينيات(1876)13اغسطس2026م.
دكتور عصام دكين.
* العالم العربي والإسلامي والشرق الافريقي به نظم غير ديمقراطية تركز هذه النظم على الاعتبارات التى تحفظ استمرارية تلك النظم السلطوية مع وضع الاعتبار والاهتمام بالسيادة الوطنية لانها تكمل هيبة تلك النظم ولكنها لا تهتم باعتبارات حقوق الإنسان.
* إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان شكل تهديداً سياسياً للدول الإسلامية والعربية من ضمنها السودان التي تقيم نظامها على أساس الدولة السلطوية حيث وجدت الدول العربية والإسلامية نفسها محصارة وفي دائرة الاتهام أمام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بانتهاكها لحقوق الإنسان وتتمسك بالهويات الدينية والثقافية لتحمي بها سلطاتها وترفض مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذى يهدد سلطانها.
* مارست الدول السلطوية الظلم والقهر والاضطهاد لشعوبها وحكمت بقبضة من حديد باسم السيادة الوطنية وخصوصية الهوية الدينية والثقافية الإسلامية والعربية واستمرار الحال اليوم في الحكم السلطوي لأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان صدر في وقت كانت فيه دول العالم الإسلامي والعربى ليست ضمن منظومة الأمم المتحدة.
* هيمنة على العالم الرأسمالية والشيوعية حيث كانت الانتماءات الدينية والهويات الثقافية العربية والإسلامية تعد رجعية وغير صالحة للحياة السياسية والديمقراطيه بل مهمشين وان الشاب الذى يتمسك بالدين والعبادات يعتبر رجعي والثقافة الشيوعية والعلمانية كانت مهيمنة.
* انتفض العالم الإسلامي والعربي واصبح هنالك تزايداً بالاهتمام الإنسان بمعاني الحياة ومصيرها.
* الحركات الإسلامية والحركة الإسلامية السودانية على وجه الخصوص احدثت صحوة ثورية وحقوقية وروحية واخلاقية واهتماماً أكبر بحقوق الإنسان وبحرياته الأساسية والاجتماعية والثقافية والتهميش والاقتصادية والتنموية والسياسية.
* الحركة الإسلامية السودانية لم تتعارض اهدافها وبرامجها مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واجرت مراجعات ومقاربات فكرية ودعمت حقوق الإنسان بالسودان.
* تمكنت الحركة الإسلامية السودانية من بعث وتجديد القوى الروحية الدينة الإسلامية والثقافية في الشعب السوداني من جديد وهى متاصلة فيه رغم الصراع الثقافي العلماني والشيوعي الجاذب للشباب والمعادي للإسلام استطاعت الحركة الإسلامية السودانية ان تحرك العمل الثقافي والفني والفكرى وتوجهه لخدمة الإسلام.
* برزت القوة الفكرية للحركة الإسلامية السودانية بشكل قوى لتراكم الخبرة ومرونة الفكر الحركي الإسلامي في مواجهة الضعف الفكري العلماني والشيوعي لأن الغاية التى تنشدها الحركة الإسلامية السودانية هى الاسلام(الله غايتنا والرسول صلى الله عليه وسلم قدوتنا) والعلمانية كانت تجهل وتعادي تلك الغايات ولا تهتم بالمقاصد ومعاني الحياة.
* الحركة الإسلامية السودانية اهتمت بالإنسان وبغاياته ومعاني حياتة.
* الحركة الإسلامية السودانية اهتمت بالدين لأن الدين للإنسان ضرورة حياتية والحركة الإسلامية السودانية تجاربها التاريخية الإنسانية في السودان ان الإنسان السوداني لا يقبل ان يمس دينة بسوء وتفاعل الإنسان السوداني مع برامج الحركة الإسلامية وكلما تكلم العلمانين والشيوعين عن ابعاد الدين من الحياة (علمانية معادية للدين) عادت الروح الحماسية للدين بصورة أقوى كما نلاحظ عادت الروح الإسلامية بصورة أكبر بعد سقوط نظام الإنقاذ في ١١ ابريل ٢٠١٩م وجاءت قوى اعلان الحرية والتغير اليسارية العلمانية ببرامج علمانية تتيح حتي للمثلية اللواط الظهور العلني وتخصيص مؤسسات القرآن الكريم الى مؤسسات المثلية اللواط فاستنكر الشعب السوداني هذا المسلك العلماني المتشدد المتطرف بشدة.
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.
* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين.
هل قبلت الحركة الإسلامية السودانية المواثيق الدولية لحقوق الإنسان(١٤)؟
دكينيات(1875) اغسطس2026م.
دكتور عصام دكين.
*بعد انتهاء الحربين العالميتين ظهرت الحرب الباردة برز الاهتمام بحقوق الإنسان الجماعية في تقرير المصير للشعوب المهضومة الحقوق، والمطالب بالتنمية، وصراع الهوية والثقافية…..الخ.
* بداءت الشعوب في العالم مرحلة تنفيذ حقوق الإنسان وفق الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الموقع عام 1948م.
* ثم دخلت حقوق أخرى من الحقوق، حقوق البيئة والحق في السلام وحقوق الحفاظ على النظام البيئي للأرض التغير المناخى…..الخ
* انتشرت ثقافة حقوق الإنسان لدى الشعوب وعرفت الشعوب حقوقها واصبحت تتطلع لكفالة حقوقها سوء كانت لبرالية، إسلامية، واجتماعية، وجماعية، وبيئة…..الخ.
* صدرت مواثيق ومعاهدات دولية لحماية تلك الحقوق شكلت منظومة حقوق الإنسان العالمية واصبحت مقايس للحكم الراشد.
* كانت دولة الحركة الإسلامية في السودان جزء من النظام العالمي المعاصر. ولكن الحركة الإسلامية واجهت نقدا كبير من الجماعات الإسلامية السلفية والمتشددة وكانت حجتها أن الإسلام لا يجيز للمسلمين قبول هذه المواثيق الحقوقية التى صدرت باسم الإنسانية لان الإسلام جاء لحفظ كرامة الانسان ام الموافقة عليها وهى مجازة من غير المسلمين يعد مخالفة صريحة للنصوص الإسلامية والاجتهادات الإسلامية. وكان هذا هو التحدى الذى واجهته الحركة الإسلامية السودانية حتى داخلها لوجود متشددين فيها. لكن الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابي كان المرجعية في تلك الحالات العصيبة من عصمة الحركة الإسلامية السودانية والدولة.
* مايميز قادة الحركة الإسلامية السودانية بعض منهم درسوا في اوربا وامريكا استطاعوا ان يجدوا مشتركات بين السياسة الشرعية والمواثيق الدولة والتعامل مع العلمانين بالحكمة وخفض حدة التوتر داخل وخارج الحركة الإسلامية السودانية وكذلك أن نظام الحركة الإسلامية السودانية لم يكن نظام استبدادي محض و متشدد دينيا لكى يرفض بنود الميثاق العالمي لحقوق الإنسان حتى لا تحد من مكتسباتهم بل كانوا يحتجون بالخصوصية الثقافية بل الحركة الإسلامية السودانية لها تجارب ديمقراطية كانت الحزب رقم ثلاثه في انتخابات 1986م باسم الجبهة الإسلامية القومية التى تحالف معها الاحزاب الحاكمة.
* حافظت الحركة الإسلامية على الخصوصية الثقافية بل اذدهرت في عهد الحركة الإسلامية السودانية وتم تاصيلها لأن الحركة الإسلامية السودانية ليست حركة جامدة حتى الإسلام الذي حدد النصوص في الكتاب والسنة ولكنه جعل باب الاجتهاد للمسلمين مفتوح مع مراعاة التدبر، و الحكمة، والعقل، والمصلحة، وظروف الزمان والمكان.
* الحركة الإسلامية السودانية خلال مسيرتها في الثلاثين عاما كانت لها اجتهاداتها واستنباطاتها ولم تنكفى على الماضي او استجلاب تجارب خارجية لا تتوافق مع البيئة أو الشعب السوداني لذلك تجربة الحركة الإسلامية السودانية تجربة خاصة ليس لها مثيل في الماضي أو الحاضر لذلك تعاملت مع المتناقضات بين بعض ما جاء في المواثيق الدولية في حقوق الإنسان وبين أحكام الشريعة إسلامية اخذت ما يتوافق مع الشريعة الإسلامية وتركت ما لا يتوافق معها اى تركته معلقا مثل اتفاقية سيداو.
* الإسلام حث على قيام المعاملات بين المسلمين والآخرين على البر والتقوى والعدل.
* كان العلمانين في الجامعات يتحاورون معنا ويقولون لنا في أركان النقاش ان الدولة الإسلامية التى تدعون لها تشبة دولة (البطريق) وهذا التعبير أطلقه علينا الراحل نصرالدين الرشيد في حركة الطلاب المستقلين الزراع الطلابي لحزب المؤتمر السوداني ويقولن لنا أن الإسلام انتشر بالسيف، والعالم منقسماً بين دار سلام ودار حرب، وأن الاختلاف في الاعتقاد عندكم هو سبب القتال في جنوب السودان باعتباره مسيحي زنجي في حين حرب الجنوب بدأت منذ أغسطس ١٩٥٥م وليس في ١٩٨٩م اى ورثتها الحركة الإسلامية.
* كنا نقول للعلمانين أن الإسلام انتشر بوسائل سلمية وان الحركة الإسلامية السودانية ايضا تدعو بوسائل سلمية وتؤمن بالتداول السلمى للسلطة عبر الية الانتخابات والديمقراطيه هذا حوار دار بيني وبين الراحل نصرالدين الرشيد فهو علماني ويمثل مؤتمر الطلاب المستقلين( حزب الموتمر السوداني) في تسعنيات القرن الماضي والحركة الإسلامية السودانية تؤمن تماما بحرية الاعتقاد وأن الاختلاف في العقيدة لا يؤدى للقتال والحرب او الجهاد الذى يدور في جنوب السودان هو لرد الظلم والعدوان، وان العدوان هو سبب القتال باسم الجهاد. فخرج نصرالدين الرشيد والتحق بالتجمع الوطنى الديمقراطى فى أرتريا وقيل أنه توفى رحمة الله عليه.
* كان دائما العلمانين معنا في الجامعات وخصوصا مؤتمر الطلاب المستقلين يثيرون قضية الرق في السودان تاريخيا ولديهم ما يسمى بمنهج التحليل الثقافى ويعتقدون مشكلتنا في السودان ثقافية ، قلنا لهم ان الاسلام حرم الرق والحركة الإسلامية السودانية بها تنوع أثنى وعرقي وكل العضوية متساوية في الحقوق والواجبات. كما كانوا العلمانين يثيرون دائما قضية حقوق المرأة وقلنا لهم في هذا المجال الحركة الإسلامية السودانية مميزة جدا والمراة قائد وامير وقاضي ووزيرة …..الخ.
* الحركة الإسلامية السودانية خلال حكمها في الثلاثين عاما بسطت حرية العقيدة ولم تعتدى على غير المسلمين حيث كان القسيس فليب ساوس فرج عضوا في حزب الموتمر الوطني ويطلق عليه الكوز المسيحى.
* كذلك واجهت الحركة الإسلامية السودانية خلال مسيرتة حكمها خلال الثلاثين عاما هجوما شرسا من الجماعات الإسلامية الأخرى المتشددة ووصفت بانها حركة إسلامية غير ملتزمة بالاسلام بل اقرب للعلمانية لان الحدود في الشريعة الإسلامية يتناقض معها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان استناداً على النصوص الإسلامية ولكن الحركة الإسلامية السودانية كانت تعتبر أن حقوق الإنسان المذكورة تتناسب مع غير المسلمين فى السودان ونسبتهم اكثر من 20% ولكن العلمانين كانوا يريدون استقلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتحقيق مصالحهم العلمانية في السودان المسلم بحجة أن السودان ليس دولة اسلامية بل الاصل دولة افريقية والمسيحية سبقت الإسلام فيه مهتدين بمقولة دكتور جون قرنق ان الاسلام لا يوحدنا وان المسيحية لا توحدنا وان العروبة لا توحدنا وان الافريقية لا توحدنا بل توحدنا السودانوية. وعندما طرحنا عليهم ما هى السودانوية لم نجد اجابة..
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.
* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين.



