قلم حر | نسيبة خالد | التعايش بين المجتمعات الأمدرمانية… حين صنعت النساء وطنًا قبل أن تكتبه السياسة

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | التعايش بين المجتمعات الأمدرمانية… حين صنعت النساء وطنًا قبل أن تكتبه السياسة
إذا كانت هناك مدينة سودانية تستحق أن تُدرَّس كنموذج للتعايش الإنساني، فهي أم درمان. لم تكن مجرد مدينة، بل فكرة وطن. لم تُبنَ على أساس العرق، ولا القبيلة، ولا الدين، بل على أساس الجوار، والعمل، والمشاركة في الأفراح والأتراح، حتى أصبحت مرآةً حقيقيةً للتنوع السوداني.
في أزقة أم درمان القديمة، لم يكن أحد يسأل جاره: من أي قبيلة أنت؟ أو إلى أي دين تنتمي؟ كان السؤال الأهم: هل تحتاج إلى مساعدة؟ وهل شاركتنا اليوم رغيف الخبز وكوب الشاي؟ هكذا كانت تُصنع الهوية الأمدرمانية، وهوية السودان في أجمل صورها.
لقد احتضنت أم درمان السودانيين بمختلف سحناتهم ولهجاتهم وثقافاتهم. عاش فيها النوبي إلى جانب الجعلي، والدنقلاوي إلى جانب الدارفوري، والبجاوي إلى جانب الكردفاني، كما عاش فيها السودانيون من أصول عربية وأفريقية في نسيج اجتماعي واحد. وكانت أيضًا موطنًا لمجتمعات سودانية ذات جذور قبطية ويونانية وغيرها، أسهمت في التجارة والتعليم والطب والحرف، وأصبحت جزءًا من تاريخ المدينة وذاكرتها.
ولم يكن اختلاف الأديان حاجزًا أمام التعايش. فقد عرفت أم درمان مساجدها وكنائسها، وعرفت أيضًا احترام الجار لجاره، ومشاركة الناس بعضهم بعضًا في المناسبات الاجتماعية، بما يعكس قيمًا سودانية راسخة تقوم على الاحترام والتعاون.
لكن البطلة الحقيقية لهذا المشهد كانت المرأة السودانية.
فالمرأة في أم درمان لم تكن مجرد شاهدة على هذا التنوع، بل كانت من أهم صانعاته. في الأسواق، والمدارس، والمستشفيات، وداخل البيوت، نسجت النساء علاقات تجاوزت الانتماءات الضيقة. كانت “الحبوبات” يورثن الأجيال أدب الجوار، وكانت الأمهات يربين أبناءهن على أن الإنسان يُعرف بأخلاقه، لا بلونه أو قبيلته أو دينه.
في جلسات الشاي، وفي مناسبات الأفراح والعزاء، كانت النساء يبنين جسورًا من الثقة والمحبة، ويقدمن نموذجًا عمليًا للتعايش يفوق أثر كثير من الخطب والشعارات. وحين عصفت الأزمات بالسودان، كانت المرأة في مقدمة من حافظوا على الروابط الاجتماعية، ووقفوا إلى جانب الأسر المتضررة، بصرف النظر عن خلفياتها.
ولعل أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس التنوع، وإنما تحويل التنوع إلى سبب للفرقة. فالتنوع الذي كان مصدر قوة أصبح في بعض الأحيان يُستغل لإثارة الانقسام. وهنا يبرز الدرس الأمدرماني: الوطن لا يُبنى بإلغاء الاختلاف، وإنما بإدارته بالعدل والاحترام.
إن السودان بحاجة إلى استعادة تلك الروح؛ روح المدينة التي جمعت الناس على المواطنة قبل التصنيفات، وعلى الأخلاق قبل الشعارات، وعلى المسؤولية المشتركة قبل المصالح الضيقة.
أم درمان لم تكن مدينةً مثالية، لكنها أثبتت أن التعايش ليس حلمًا مستحيلًا، بل ممارسة يومية تبدأ من البيت، وتكبر في الحي، وتترسخ في المدرسة والسوق، وتصنع وطنًا يسع الجميع.
ولذلك، فإن أي مشروع وطني للمستقبل لن ينجح إذا تجاهل الدور المحوري للمرأة في ترسيخ ثقافة التعايش، أو إذا أغفل أن قوة السودان كانت، وما زالت، في تنوعه. فحين تُحترم الكرامة الإنسانية، وتُصان الحقوق، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه ثراءً لا تهديدًا، يصبح التنوع مصدرًا للقوة، وتصبح أم درمان أكثر من مدينة… تصبح فكرةً لوطنٍ يتسع للجميع.


