شخصيات سودانيةمن رفاعة

من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | السيد عثمان الخضر عثمان | رائد الإدارة والحكم المحلي في السودان ودول الخليج

صوت الشارع

شخصيات سودانية

من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | السيد عثمان الخضر عثمان | رائد الإدارة والحكم المحلي في السودان ودول الخليج

1920م – 2005م
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
رفاعة… البداية التي صنعت رجلًا من رجال الخدمة العامة
وُلد السيد عثمان الخضر عثمان عام 1920م في مدينة رفاعة، بحي الديم الأوسط، ونشأ في أسرة عُرفت باهتمامها بالعلم والمعرفة، وحرصها على التعليم وإعداد أبنائها لخدمة المجتمع.
وكانت أسرته ذات حضور في مجالات متعددة؛ فكان شقيقه حسن الخضر من الشخصيات البارزة في مجال العمل، وعمل وكيلًا لشركة أرامكو في المملكة العربية السعودية، كما برزت شقيقته آسيا الخضر عثمان بوصفها من رائدات التعليم.
و إبن شقيقته الدكتور الخاتم إلياس، استشاري أمراض الصدر ورئيس المجلس الطبي.
وفي هذه البيئة الأسرية، وبين أحياء رفاعة وذاكرتها العلمية والاجتماعية، بدأت ملامح شخصية عثمان الخضر في التكوين؛ شخصية اتسمت بالطموح والانضباط، ثم اتجهت لاحقًا إلى مسار مهني امتد من السودان إلى دول الخليج.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
التعليم… من رفاعة إلى آفاق أوسع
بدأ عثمان الخضر تعليمه في رفاعة، وتلقى فيها المرحلة الأولية و الوسطى، قبل أن ينتقل إلى الخرطوم لمواصلة تعليمه.
فالتحق بـ كلية غوردون التذكارية، ثم واصل تأهيله في معهد شمبات الزراعي، حيث اكتسب معارف عملية وفنية أسهمت في تكوينه العلمي والمهني.
وبعد إكمال هذه المرحلة، التحق بالعمل في مصلحة الغابات، لتكون تلك بداية حياته العملية، قبل أن ينتقل إلى مجال الحكم المحلي والعمل العام.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
من مصلحة الغابات إلى الحكم المحلي
بدأ حياته الوظيفية في مصلحة الغابات،بمدينة الأبيض بشمال كردفان وهناك اكتسب خبرة عملية وميدانية، وتعرّف على طبيعة العمل الحكومي والانضباط الوظيفي والتعامل مع البيئات والمجتمعات المختلفة.
ومع تطور نظام الحكم المحلي في السودان، والانتقال من نظام المفتشين إلى نظام الضباط الإداريين، انتقل عثمان الخضر إلى هذا المسار، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته المهنية.
كانت من محطاته الأولى مجلس بلدي الأبيض في كردفان، حيث عمل مراقبًا إداريًا، ثم انتقل إلى مجلس بلدي كوستي، وعمل هناك ضابطًا إداريًا.
بعد ذلك انتقل إلى مجلس ريفي المعيلق، الذي كان في تلك الفترة مركزًا مهمًا، وسبق مجلس الكاملين من حيث الأهمية الإدارية.
وقد أتاح له تنقله بين الأبيض وكوستي والمعيلق وغيرها أن يكتسب خبرة واسعة في التعامل مع مختلف البيئات والمجتمعات، وأن يطوّر فهمًا عميقًا لطبيعة الإدارة المحلية وشؤون الناس.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
التأهيل في المملكة المتحدة
بعد أن أصبح ضابطًا إداريًا، واصل عثمان الخضر تطوير قدراته المهنية، فنال عددًا من الدورات المتخصصة في المملكة المتحدة.
وقد جاء هذا التأهيل في مرحلة مهمة من مسيرته، فأضاف إلى خبرته الميدانية معرفة بأساليب الإدارة الحديثة والتنظيم المؤسسي، ووسّع مداركه في مجالات التخطيط وتسيير شؤون المؤسسات.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
مجلس بلدي الخرطوم… مرحلة مفصلية
في أوائل ستينيات القرن الماضي، انتقل عثمان الخضر إلى مجلس بلدي الخرطوم، وكانت هذه محطة مهمة في مسيرته المهنية، لما كانت تمثله الخرطوم من ثقل سياسي وإداري واجتماعي.
وهناك تولى مسؤوليات واسعة تتطلب الحزم، وسرعة اتخاذ القرار، وحسن التعامل مع القضايا اليومية وشؤون المواطنين.
وفي هذه المرحلة برزت بصورة واضحة قدرته على تحمل المسؤولية والتعامل مع المواقف الصعبة بثبات، بعيدًا عن التردد والمجاملة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
النزاهة وقوة الشخصية… المبدأ قبل كل اعتبار
ومن المواقف التي تُروى عن عثمان الخضر أنه، بينما كان يشغل منصب ضابط إداري في بلدية الخرطوم، زاره أحد زعماء الإدارة الأهلية طالبًا منه إنجاز خدمة، وعرض عليه مقابلًا نظير ذلك.
فما كان من عثمان الخضر إلا أن استشاط غضبًا، ورد عليه بحزم شديد:
> **«إنت لو قلت كلامك دا تاني، حا أسلّمك البوليس!»**
لم يكن هذا الموقف مجرد انفعال عابر، وإنما يعكس نظرته إلى الوظيفة العامة باعتبارها أمانة ومسؤولية، وأن القانون والواجب لا ينبغي أن يخضعا للمساومة أو المصالح الشخصية.
وقد عُرف عنه قوة الشخصية، والوضوح، وسرعة البديهة، والحزم حين تقتضي المسؤولية ذلك، مع قدرته على التعامل مع الناس بصورة متوازنة.
وهذه الصفات لم تكن منفصلة عن تجربته المهنية؛ بل تشكلت عبر سنوات طويلة من العمل الميداني والتنقل بين المؤسسات والمناطق المختلفة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
من السودان إلى الخليج… الخبرة السودانية تتجاوز الحدود
مع بدايات التطور المؤسسي الحديث في دول الخليج، انتقلت إلى المنطقة أعداد من الكفاءات السودانية التي أسهمت بخبراتها في بناء المؤسسات وتطوير نظم العمل.
ومن الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة:
كمال حمزة — من رواد العمل الإداري في دبي.
مختار التوم — من رواد العمل الإداري في الشارقة.
عثمان الخضر — من رواد الإدارة والحكم المحلي في دولة قطر.
وكان انتقال عثمان الخضر إلى قطر محطة بارزة في حياته، حيث استفادت المؤسسات هناك من خبرته الطويلة في الإدارة والحكم المحلي والعمل العام.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
من قطر إلى سلطنة عُمان… مهمة بناء جديدة
بعد تجربته في قطر، تم ابتعاث عثمان الخضر إلى سلطنة عُمان، في مرحلة كانت السلطنة تشهد فيها تحولًا مهمًا نحو بناء مؤسسات الدولة الحديثة.
وهناك أسهم في تأسيس وبناء الإدارة المحلية، مستفيدًا من الخبرة التي اكتسبها خلال سنوات عمله في السودان وقطر.
وكانت هذه المحطة امتدادًا طبيعيًا لمسيرته المهنية، وفي الوقت نفسه واحدة من أبرز مراحل حياته، إذ انتقلت خبرته من خدمة المؤسسات وتدريب الضباط الإداريين داخل السودان إلى الإسهام في بناء منظومة الإدارة المحلية في دولة خليجية أخرى.
وهكذا امتدت رحلته من رفاعة إلى الأبيض وكوستي والمعيلق والخرطوم، ثم إلى قطر وسلطنة عُمان، حاملًا معه خبرة سودانية أسهمت في مسيرة بناء المؤسسات في المنطقة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الحياة الاجتماعية والأسرة
على المستوى الاجتماعي، كان عثمان الخضر ابنًا لأسرة ارتبطت بالعلم والعمل وخدمة المجتمع، وهي القيم التي انعكست على حياته ومسيرته.
وتزوّج من الرائدة الأستاذة شامة صالح سليمان، التي كانت لها مكانتها في مجال التعليم، وجمعتهما حياة أسرية ارتبطت بالعلم والتربية والاهتمام ببناء الأسرة.
وقد أنجبا:
المرحوم سامي.
محمد الفاتح، الأستاذ بالجامعات السودانية.
الأستاذة فتحية، المستشار القانوني.
وكانت الأسرة امتدادًا طبيعيًا للقيم التي نشأ عليها عثمان الخضر، حيث ظل التعليم والعمل وخدمة المجتمع حاضرًا في مسار أبنائه وأفراد أسرته.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
إرث يتجاوز الوظيفة
لم تكن قيمة عثمان الخضر تختصرها المناصب التي شغلها أو البلدان التي عمل فيها، وإنما تكمن في الأثر الذي تركه، والخبرة التي نقلها، والمواقف التي بقيت في ذاكرة من عرفوه.

وكانت مسيرته نموذجًا للكفاءة السودانية التي استطاعت أن تعمل في بيئات مختلفة، وأن توظف خبرتها في خدمة المؤسسات والمجتمعات.
كما ظل امتداد أسرته في ميادين التعليم والعمل العام شاهدًا على الإرث الذي نشأ عليه، والقيم التي رافقته طوال حياته.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الرحيل… وبقاء السيرة
توفي السيد عثمان الخضر عثمان عام 2005م، بعد حياة حافلة بالعمل والعطاء امتدت لنحو خمسة وثمانين عامًا.
رحل الجسد، لكن بقيت السيرة؛ سيرة رجل أسهم في مراحل مهمة من بناء الإدارة المحلية والمؤسسات
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
رفاعة تُنجب الرجال… والسيرة تحفظ الأثر
عثمان الخضر عثمان… اسمٌ من رفاعة، وسيرةٌ من السودان، وأثرٌ امتد إلى الخليج.
لم يكن عثمان الخضر عثمان مجرد اسم في سجلات الوظيفة العامة، بل كان واحدًا من أبناء جيلٍ حملوا رسالة تأسيس الإداره والعمل العام
فالمناصب تنتهي، والوظائف تمضي، لكن الأثر الطيب لا تنهيه السنون؛ يبقى في ذاكرة الناس، وتتناقله الأجيال، وتصبح سيرة صاحبه جزءًا من تاريخ المكان الذي أنجبه والوطن الذي خدمه.
وهكذا يبقى عثمان الخضر عثمان واحدًا من رجال رفاعة الذين خرجوا من مدينتهم الصغيرة، فكان لهم حضور في السودان، ثم تجاوز أثرهم حدود الوطن، ليشاركوا في مسيرة بناء المؤسسات في الخليج.
رحم الله السيد عثمان الخضر عثمان رحمةً واسعة، وغفر له، وأكرم نزله، ورفع درجته في المهديين، وجعل ما قدّم من علمٍ وخبرةٍ وخدمةٍ للناس في ميزان حسناته.
رحم الله رجلًا عاش كريم السيرة، ثابت المبدأ، عزيز النفس، ومضى تاركًا خلفه اسمًا يستحق أن يُذكر، وتاريخًا يستحق أن يُوثّق، وأثرًا يستحق أن يبقى في ذاكرة رفاعة والسودان.
فما أجمل أن يرحل الإنسان، ويبقى من بعده أثره… وما أعظم أن تكون بدايته من رفاعة، وأن تمتد سيرته من السودان إلى آفاق الخليج.
رحم الله عثمان الخضر عثمان، وجعل سيرته الطيبة شاهدًا له، وأثره في خدمة الناس نورًا باقياً في سجل الخالدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى