من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | العم عبدالرحمن حاج عبيد | بص مدرسة رفاعة الثانوية للبنات

صوت الشارع
شخصيات سودانية
من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | العم عبدالرحمن حاج عبيد | بص مدرسة رفاعة الثانوية للبنات
🌿 رجلٌ من ذاكرة رفاعة… وسيرةٌ من الوفاء والعطاء
✦❖✦━━━━━━━━━━━━━━━━✦❖✦
عبدالرحمن حاج عبيد، أو كما عرفه أهل رفاعة بمحبةٍ وتقدير: «أبو الحاج»؛ اسمٌ إذا ذُكر، حضرت معه صورة رجلٍ من رجالات رفاعة الذين عاشوا بين الناس، وخدموا مجتمعهم في صمت، وتركوا وراءهم سيرةً عطرة لا تطويها السنون.
وُلِد العم عبدالرحمن حاج عبيد بمدينة رفاعة في ثلاثينيات القرن الماضي، ونشأ فيها، وتلقى مراحل تعليمه بمدينة رفاعة، ثم عمل في الزراعة، وهي المهنة التي ارتبطت بأسرته وأجداده وأهل رفاعة منذ أجيال.
ثم عمل سائقًا بالتربية والتعليم، وأُسندت إليه قيادة بص مدرسة رفاعة الثانوية للبنات، فظل يقود هذا البص سنواتٍ طويلة، حتى أصبح اسمه جزءًا من تاريخ البص وذاكرة المدرسة، وصارت حكايتهما متلازمتين في وجدان أهل المدينة.
🚌 بص رفاعة الثانوية للبنات… أكثر من وسيلة مواصلات
لم يكن بص مدرسة رفاعة الثانوية للبنات مجرد وسيلةٍ لنقل الطالبات من بيوتهن إلى المدرسة والعودة بهن؛ بل كان جزءًا من الحياة اليومية للمدينة، وشاهدًا على مرحلةٍ زاهرة من تاريخ التعليم.
وقد ارتبط هذا البص في ذاكرة أهل رفاعة بالانضباط والأمانة وحسن الرعاية، وكان العم عبدالرحمن حاج عبيد في مقدمة من جسّدوا هذه المعاني.
كان يرى الطالبات أمانةً في عنقه، ولذلك لم يكن يتعامل مع مهمته كسائق فحسب، وإنما كأبٍ مسؤول عن بناته.
كان حريصًا على سلوكهن وسلامتهن، واسع الصدر، حاضر النكتة والدعابة، لكنه كان شديدًا في موضع الشدة، حازمًا عندما يتعلق الأمر بالانضباط والاحترام والآداب.
وكانت الطالبات يحترمنه احترامًا كبيرًا؛ لأنه لم يرَ فيهن مجرد طالبات يستقلهن البص، وإنما رأى فيهن بناتٍ اؤتمن عليهن.
ومن شدة حرصه أن البص إذا وصل إلى شارعٍ ضيق لا يستطيع الدخول إليه، كان يتوقف في مكانه، ويتأكد من نزول الطالبة ومضيها إلى بيتها بأمان، وكأن مهمته لا تنتهي إلا عندما يطمئن أن الأمانة قد وصلت إلى أهلها.
وتروي إحدى خريجات مدرسة رفاعة الثانوية، التي أصبحت فيما بعد من حملة درجة الدكتوراه، أن «أبو الحاج» كان قد اشترط عليها أن تخرج من منزلها وتنتظره في الشارع في موعد محدد، فلم يكن يتقدم عن موعده ولا يتأخر عنه؛ لأن الانضباط عنده لم يكن كلمةً تُقال، بل سلوكًا يُمارس.
وهكذا أصبح بص رفاعة الثانوية للبنات رمزًا من رموز الزمن الجميل، وصار العم عبدالرحمن حاج عبيد جزءًا لا يتجزأ من حكايته.
🏫 رفاعة الثانوية للبنات… صرحٌ من صروح التفوق
ولم تكن مدرسة رفاعة الثانوية للبنات مدرسةً عادية في تاريخ التعليم؛ فقد ارتبط اسمها بالتميز والانضباط والتفوق، وكانت من المدارس التي رفعت اسم رفاعة عاليًا في ميادين التعليم.
لقد خرجت المدرسة أجيالًا من الطالبات اللواتي واصلن تعليمهن، وبلغن مواقع علمية ومهنية رفيعة، ومن بينهن من نلن درجات علمية عليا، وأسهمن في خدمة الوطن والمجتمع.
وكان نجاح المدرسة امتدادًا طبيعيًا لتاريخ رفاعة الطويل مع التعليم، ولا سيما تعليم البنات؛ فرفاعة مدينةٌ عرفت قيمة العلم مبكرًا، وأدرك أهلها أن تعليم المرأة ليس ترفًا، وإنما أساسٌ لبناء الأسرة والمجتمع.
ومن هنا فإن الحديث عن رفاعة الثانوية للبنات هو حديثٌ عن مدرسة صنعت أجيالًا، وعن معلمين ومعلمات وعاملين أسهموا جميعًا في صناعة ذلك النجاح، وعن مجتمعٍ كان ينظر إلى التعليم باعتباره رسالةً ومسؤولية.
وفي مقدمة أولئك الذين أدوا أدوارهم بعيدًا عن الأضواء كان أبو الحاج عبدالرحمن حاج عبيد.
⚽ عبدالرحمن حاج عبيد… رئيس نادي الشعلة
ولم تتوقف مسيرة عبدالرحمن حاج عبيد عند قيادة البص؛ فقد كان كذلك رئيسًا لنادي الشعلة لعدة دورات، وكان في النادي مدرسةً قائمة بذاتها في الانضباط والالتزام وتحمل المسؤولية.
كان يتعامل مع اللاعبين والإداريين والأعضاء بمنطق الأب والمربي، لا بمنطق المسؤول الإداري وحده.
وكان حريصًا على ألا يتحول النادي إلى مكانٍ للفوضى أو إضاعة الوقت، ولذلك كان يضع ضوابط واضحة للحضور إلى النادي، وكان يوم الخميس يومًا مميزًا يجتمع فيه الشباب حوله.
وكانت جلسته على البرش من المشاهد التي ارتبطت بذاكرة أبناء الشعلة؛ فالكراسي للكبار، أما الشباب فكانوا يجلسون حوله، يتعلمون منه الأدب والانضباط واحترام الكبير وحب النادي.
وكان إذا طلب أحد اللاعبين أو الإداريين، ولو كان من أصحاب المكانة، فإنه يأتي إليه وهو يعلم أن «أبو الحاج» لا يحابي أحدًا في الحق.
فإذا أخطأ لاعب في حق النادي، لم يتردد في محاسبته، وإذا غاب أحد اللاعبين عن التمرين دون عذر، كان يمكن أن يصل إلى منزله بنفسه، ويطلبه بالاسم، ثم يقول له كلمتين فقط:
«بكرة تجي التمرين.»
كلمتان، لكنهما عند «أبو الحاج» كانتا تكفيان لتكونا درسًا لا يُنسى.
ولم يكن يتردد في اتخاذ قرارات صعبة حفاظًا على سمعة النادي وانضباطه، حتى مع لاعبين أساسيين وأعمدة في الفريق إذا رأى أن الخطأ يستوجب العقوبة.
وكانت رحلات نادي الشعلة خارج رفاعة نموذجًا آخر من نماذج الانضباط؛ فقد كان يحرص على حسن المظهر، والالتزام بمواعيد الدخول والخروج، واحترام المدينة المضيفة.
ومن أجمل الصور التي تُروى عنه أنه بعد صلاة الفجر كان ينهض بنفسه لإعداد شاي الصباح لأفراد المعسكر، في صورة تختصر شخصيته: مسؤولٌ في موقع القيادة، لكنه لا يرى في خدمة الآخرين انتقاصًا من مكانته.
🌿 رجل المجتمع… وخدمة الناس في صمت
كان عبدالرحمن حاج عبيد من الوجوه المعروفة في مجتمع رفاعة؛ حاضرًا في السياسة والاجتماعيات، ومشاركًا في اللجان والمبادرات، وله إسهام في أعمال مجتمعية متعددة.
وكان ممن عُرفوا بحل المشكلات وتقريب وجهات النظر، ولذلك كان الناس يقصدونه في الشدائد، لما عرفوا فيه من حكمةٍ وحزمٍ وصدق.
كما شارك في عدد من اللجان، وكان أمينًا لمال اللجنة التي أسهمت في تشييد مدرسة نفيسة عوض الكريم، وهو ما يعكس اهتمامه بالتعليم وخدمة المجتمع.
وكان من أجمل ما اتصف به أنه كان يفعل الخير بعيدًا عن الأضواء؛ ينفق على بعض المحتاجين في السر، دون أن يجعل من عطائه حديثًا للناس.
ولذلك، حين رحل، لم يكن الحزن عليه حزن أسرته وحدها؛ فقد بكت رفاعة رجلًا عرفته في شوارعها ومدارسها وناديها ومجالسها، وبكاه أناسٌ لم يكونوا من أقربائه، لكنهم عرفوا فضله وإحسانه.
✦ تعقيب ووفاء ✦
إن سيرة العم عبدالرحمن حاج عبيد ليست سيرة سائقٍ قاد بصًا لسنوات، ولا سيرة رئيس نادٍ تولى المسؤولية لعدة دورات فحسب؛ إنها سيرة رجلٍ عاش مفهوم المسؤولية بكل معانيه.
كان يقود البص، لكنه في الحقيقة كان يقود رسالةً من الأمانة.
وكان يرأس النادي، لكنه كان في الحقيقة يربي أجيالًا على الانضباط والرجولة وتحمل المسؤولية.
وكان يعمل في المجتمع، لكنه لم يكن يبحث عن منصبٍ أو شهرة؛ بل كان يرى خدمة الناس واجبًا يؤديه ثم يمضي.
ولذلك بقي اسمه في الذاكرة.
فبعض الرجال تنتهي أدوارهم بانتهاء وظائفهم، أما الرجال الذين يصنعون الأثر الحقيقي، فإنهم يغادرون الحياة وتبقى أفعالهم تتحدث عنهم.
وأبو الحاج عبدالرحمن حاج عبيد واحدٌ من أولئك الذين تركوا في رفاعة أثرًا لا يُقاس بطول السنوات التي عاشها، وإنما بعدد القلوب التي عرفته، والأجيال التي احترمته، والمواقف التي حفظتها الذاكرة عنه.
رحم الله رجلًا كان أبًا للطالبات، ومربيًا للشباب، وحارسًا للأمانة، وخادمًا لمجتمعه.
ورحم الله أيام رفاعة الجميلة، يوم كان للناس حضورٌ في حياة بعضهم، وكان الرجل يُعرف بمواقفه، وتُقاس مكانته بما يقدمه للناس، لا بما يملك من ألقاب.
✦❖✦ رحم الله العم عبدالرحمن حاج عبيد… أبا الحاج، رجلًا من رجال رفاعة الذين لا يغيبون وإن غابوا. ✦❖✦
🤲 دعاء بالرحمة والمغفرة
اللهم يا واسع الرحمة والمغفرة، ارحم عبدك عبدالرحمن حاج عبيد رحمةً واسعة، واغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وتجاوز عن سيئاته، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وأنر قبره، واجعله روضةً من رياض الجنة.
اللهم اجزه عن كل طالبةٍ رعاها، وكل شابٍ نصحه، وكل محتاجٍ أعانه، وكل عملٍ صالحٍ أسهم فيه، خير الجزاء.
اللهم اجعل ما قدمه من خدمةٍ للتعليم والمجتمع، وما بذله من جهدٍ في رفاعة، وما تركه من أثرٍ طيب في ميزان حسناته.
اللهم ارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين.
اللهم اجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
اللهم ألهم أهله ومحبيه وأهل رفاعة الصبر والسلوان، واجعل ذكراه الطيبة صدقةً جاريةً في قلوب من عرفوه.
اللهم ارحمه رحمةً تليق بسعة رحمتك، واغفر له مغفرةً تمحو بها الخطايا، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.
🤲 اللهم آمين.
✦❖✦━━━━━━━━━━━━━━━━✦❖✦
ذكريات رفاعة… رجالٌ رحلوا، وبقيت سيرتهم حيّة في القلوب.
✦❖✦━━━━━━━━━━━━━━━━✦❖✦

