شخصيات سودانية

توثيق شخصيات سودانية | توثيق : رانيا فتحي صالح علي | خليل افندي فرح – صوت الحرية ووجدان الأمة

صوت الشارع

توثيق شخصيات سودانية

توثيق شخصيات سودانية | توثيق : رانيا فتحي صالح علي | خليل افندي فرح – صوت الحرية ووجدان الأمة

💫حين كانت كلمة أفندي تصف رجلًا يفكر

في زمانٍ ليس ببعيد، كانت كلمة “أفندي” تحمل وهجًا خاصًا، لا تُمنح لكل من ارتدى طربوشًا أو امتلأت جيوبه بشهادات التعليم، بل تُمنح لمن وسِع عقله الحاضر والتاريخ، ولمن جمع بين الهندسة والشعر، وبين الحس الوطني والحس الجمالي… كانت مرايا للعقل، لا مجرد لقب اجتماعي.

في هذا الزمان بزغ نجم اسمه خليل فرح بدري، رجل من شمال النيل، من قرية صغيرة تُدعى “دبروسة” بجزيرة صاي، تابعة لمركز وادي حلفا. وُلد في العام 1894، وسط الطبيعة النيلية التي تنسج في الطفل حسًّا بالموسيقى والجمال، وتزرع في وجدانه روحًا شاعرة قبل أن يعرف معنى القوافي.

تلقى خليل تعليمه الأولي في دنقلا، ثم التحق في 1908 بكلية غوردون التذكارية، قسم الصنائع – البرادة الميكانيكية، حيث نال شهادة الإجازة في الهندسة الميكانيكية. لكنه، ومنذ نعومة فكره، لم يكن مهندس آلات فقط، بل مهندس كلمات، يطرق الحديد في النهار، ويطرّز القصائد في الليل.

كان مولعًا بالأدب العربي، خصوصًا الجاهلي، ومتأثرًا بكبار الأدباء المصريين مثل طه حسين، العقاد، والزيات. يقرأ ويحفظ، يتأمل ويُدوِّن. فكوّن لغة قوية، وأسلوبًا شعريًا فيه نضج فكري يتجاوز سنّه وتجربته.

وحين هاجر إلى أم درمان، لم يكن مجرد شاب يبحث عن فرصة، بل مشروع نهضة يحمل على أكتافه وجع الشمال، وحنين القُرى، وطموح وطن بأكمله.
سكن في بيت والده، والتحق بمدرسة البوسته والتلغراف، ثم عاد إلى كلية غوردون، ومنها سافر إلى القاهرة للعلاج من داء الرئة، الذي سيكون لاحقًا سببًا في نهاية رحلته القصيرة الطويلة.

لكنه في سنواته القليلة، ترك أثرًا أبعد من عمره، وشكّل ملامح مدرسة كاملة في الشعر والغناء الوطني.
كان شديد الذكاء، حاضر البديهة، واسع الحفظ. شخصيته جاذبة، لا لأن صوته عذب أو شعره أنيق، بل لأنه كان يحمل وطنًا في قلبه، وضميرًا في لسانه.

احتكّ خليل بالأدباء والشعراء السودانيين، وحضر المنتديات الأدبية في العاصمة المثلثة: منتدى أبو روف، الهاشماب، الموردة، ومنتدى دارفور في أم درمان. وهناك، كان صوته يرتفع بأناشيد الحرية، وكان اسمه يُكتب بين نخبة الأدباء المجددين.

ولم يكتفِ بالشعر، بل ساهم في تأسيس جمعية اتحاد الأدباء، وكان بيته في الخرطوم مقرًا لانطلاقتها.

أما ديوانه “خليل عزة” – الذي صدر عن دار جامعة الخرطوم بتحقيق وتقديم الدكتور علي المك – فهو شهادة باقية على عبقرية رجل جمع الشعر، واللحن، والوطن في قبضة واحدة.
كتب فيه المك:

> “خلود خليل فرح من خلود وطنه، هذا أمر محتوم، لكون خليل يذكر حين يذكر الوطن”.

وفي مجلة الفجر، نشرت بعض قصائده، شاهدةً على تطوّر القصيدة الوطنية، وعلى جرأة شاعر كان ينشد في زمنٍ يُمنع فيه النشيد.

حين تُوفي خليل في مستشفى النهر بالخرطوم سنة 1932، بعد معاناة من نزلة شعبية بدأت في 1929، لم يمت شاعر فقط، بل خفت صوت من الأصوات القليلة التي قاومت بالسطر والوتر.
ودُفن في مقابر أحمد شرفي، لكن صوته ظل حيًّا في الأغاني، وأسطورته كبرت مع كل جيل يفتح فمه لينشد “عزة في هواك”.

وقد كرّمه نادي الخريجين بحفل تأبين في زمن الاستعمار، وتوالت عليه التكريمات من الجامعات السودانية حتى اليوم، لأنه لم يكن شاعرًا عاديًا، بل صوتًا وطنيًا سابقًا لعصره.

🔜 ختام وتمهيد للحلقة القادمة:

هكذا بدأ المشهد.
شاب من قرية، صار ذا أثر في المدينة… كتب، غنّى، واجه، ومضى في صمت.
لكن الحكاية ما انتهت هنا…

في الحلقة القادمة من “خليل فرح – صوت الحرية ووجدان الأمة”
حنمشّي سوا في دروب النضال،
نفتّش في أشعاره الوطنية،
ونسمع كيف كانت الكلمات تنقلب بنادق، والأغاني تتحوّل لبيانات ثورية.

خليك قريب، لأن خليل ما غنّى ساي… خليل كتب تاريخ وطن بصوتو.


𝓡𝓪𝓷𝓲𝓪🖋️

مُـحـبّة للفن السوداني القديم …. وأُوثق جماله بحُب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى