الخرطوممقالات وكتاب

مشاهد العودة (٥)  الخرطوم. | [وجع الحياة] عثمان عربي

مشاهد العودة (٥)  الخرطوم. | [وجع الحياة] عثمان عربي

 

عدت فوجدت وجوه الناس قد تغيرت كأن المدينة نفسها مرضت وصارت الوجوه مرآتها المرهقة

لم أكن أتخيل أن التعب يمكن أن يصير سمة عامة لكنّني رأيته في كل مكان

في المواصلات في الأسواق في الطرقات في النظرات السريعة التي تمر عليك دون أن تتوقف

الوجوه نحيلة عظام الخد بارزة والعيون غائرة كآبار شربت ماءها حتى القاع

حتى الألوان التي كانت تضيء البشرة السودانية المجبولة بالشمس والعرق بهتت

صار الناس كأنهم يخرجون من مرض لا اسم له

تساءلت بيني وبين نفسي

هل هذا أثر حمى الضنك التي تضرب الخرطوم هذه الأيام

أم أن الأمر أعمق من ذلك

مرض خفي يسري في العروق لا تشخصه المستشفيات ولا تدركه التحاليل

مرض الحياة حين تضعف حين يكثر فيها الخوف ويقل فيها الرجاء

ذلك النوع من العلل الذي لا يشفى منه الإنسان إلا إذا عاد قلبه إلى الأمل

في الأسواق رأيت الباعة يجلسون خلف بضاعتهم كأنهم ينتظرون قدرهم

لا يرفعون أصواتهم كما كانوا لا يتجادلون لا يساومون

الكلمات تقال بفتور والنظرات متعبة

حتى الابتسامات شاحبة تأتي على استحياء وتذوب قبل أن تكتمل

كل وجه حكاية تعب وكل عين سؤال لا يقال

والناس على اختلافهم يشبهون بعضهم في هذا الشحوب الغامض كأن المرض جمعهم في عائلة واحدة من الإرهاق

في المواصلات العامة تتكثف هذه الصورة أكثر

الركاب يجلسون صامتين بعضهم يحدق في المجهول وبعضهم في الأرض وكأن الحديث صار ترفا لا وقت له

الغلاء صار حديث المدينة الذي لا ينقطع

تسمعه في الحافلات في الأسواق في الطرقات حتى في نبرة التحية

الأسعار ترتفع كل يوم كأنها تتسلق جدار السماء بلا حبال والناس يتنفسون بصعوبة

كل شيء صار له ثمن حتى الصبر نفسه صار مكلفا

لم أر في حياتي غلاء كهذا يأكل ببطء كل ما تبقى من طاقة البشر

الأمهات يعدن من السوق بوجوه مطفأة والآباء يطأطئون رؤوسهم وهم يحسبون ما تبقى من النقود في أيديهم

تسأل بائع الخضار عن السبب فيقول بابتسامة مكسورة

ما في زول عارف الحكاية كلها ماشة براها

وحين يتكلمون فإن حديثهم لا يخرج عن الغلاء أو الأجرة أو تعب المعيشة

الخلافات على الأجرة لا تهدأ لكنها بلا غضب حقيقي بل أقرب إلى تنفس مكتوم

كل يوم تزيد التعرفة وكل يوم يصغر الجيب وكل يومٍ يزداد الصبر صلابة ووجعا في آن

وفي الزحام تلمح الفرق بينك وبينهم

أنت العائد بعد غياب وهم المقيمون في الجحيم اليومي

ينظرون إليك ويعرفونك من وجهك

من نضارة خفيفة لم يعد يعرفها أهل الخرطوم

من عافية لم تمسها الحمى ولا الغلاء

لا يحتاج أحد أن يسألك من أين جئت

ملامحك وحدها تقول إنك وافد جديد من مكان لم يختبر هذا الإنهاك

في موقف حلايب القديمة حيث الباصات تصطف في فوضى مألوفة

تتبدى الخرطوم الحقيقية وجوه صبورة أجساد مثقلة خطوات بطيئة

الناس يعودون إلى بيوتهم كمن يعود من معركة خاسرة

لكنهم يعودون على كل حال فالهزيمة هنا ليست نهاية بل عادة يومية

العائدون أكثر من المسافرين

وكل يحمل في عينيه توقا للمكان للراحة للسكينة

الزحام في المساء يشبه طقسا من طقوس النجاة

كلّ واحد يريد أن يلحق بالمكان الذي يخصه أن ينجو إلى فراشه أن يطوي يوما آخر من التعب

في الطرقات ترى الخرطوم متعبة

الأسفلت ممزق كجلد قديم والمطبات تنبت في الشوارع كأنها شواهد على حرب لم تنته بعد

العربات القليلة تمضي بتأن تتفادى الحفر كما يتفادى المريض الألم

كوجوه أهلها مليئة بالحفر والمطبات تئن تحت عجلات السيارات كما يئن القلب تحت وطأة الغلاء

والبيوت متعبة والأشجار تميل كأنها تستند على الريح

حتى الضوء نفسه صار باهتا

شمس الخرطوم لا تشرق كما كانت كأنها تحن إلى زمن لم تعد تعرفه

ومع ذلك هناك في هذه المدينة شيء غامض لا يموت

الناس برغم الوهن الظاهر لا يزالون يتحركون يبنون يصلحون ما تهدم

في الخرطوم بدأوا يرممون العقارات والمنازل والمحلات

وفي السجانة وشارع الحرية عاد نحو سبعين في المئة من تجار السجانة

يعيدون فتح محلاتهم وكأنهم يعيدون تشغيل نبض المدينة

تراهم يعملون بصمت كمن يؤدي صلاة بلا كلمات

وفي عيونهم نور صغير هو آخر ما تبقى من الإيمان بأن الغد قد يحمل شيئًا أفضل

ورغم البؤس الذي يملأ الشوارع

ورغم التعب المتراكم في الملامح

هناك شيء لا يزال يضيء في الخرطوم كجمر تحت الرماد

شيء يشبه الإصرار على الحياة أو ما يسميه الصوفية الرضا الصامت

الناس هنا برغم كل ما خسروا لا يزالون يؤمنون أن الله لم ينسَهم

تراهم يبتسمون بتعب يتحدثون بأمل متقطع لكنهم ماضون لا يتوقفون

الخرطوم في هذه الأيام ليست مدينة تشاهد بل تتأمل

فيها من الوجع ما يكفي أمة وفيها من الصبر ما يدهش الأنبياء

تنهض كل صباح على صوت المولدات وصراخ الباعة وصدى الأمل الذي يرفض أن يموت

الخرطوم اليوم ليست جميلة كما كانت

لكنّها صادقة كما لم تكن من قبل

وجهها شاحب نعم لكنه وجه لا يعرف الرياء

تراها تتنفس ببطء كأنها تخاف أن تفقد ما تبقى من هواء

وحين تمشي في شوارعها

تشعر أنك تمشي في جسد جريح لكن دمه لا يزال دافئا

هذه المدينة تتألم لكنها لم تستسلم

تعيش على حد الألم وتؤمن أن وراء كل هذا الضنك معنى

وأن الله لا يترك عباده في منتصف الطريق

الوجوه فيها أنهكها التعب

لكن وراء كل عين ما زال ضوء صغير

ضوء من عرف وجع الحياة وقرر رغم ذلك أن يعيشها

 

عثمان عربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى