مقالات وكتاب

محطات باقية   |  من الميناء تبدأ الحكاية ( ١ )   |   عثمان عربي 

محطات باقية   |  من الميناء تبدأ الحكاية ( ١ )   |   عثمان عربي

 

الميناء ليس كما يفترض أن يكون

ولا كما تتخيله وأنت على ظهر الباخرة

لا طوابير لا صخب

لكنه مرهق…

كأن المكان يشكو فقر دم

يمشي بأجهزة متعبة

وجدران لا تقنع أحدا أنها على قيد العمل

حتى من يستقبلك

لا يمد يده للترحيب

بل يمد صوته

يعرض عليك التوصيل

وما إن تتفق معه

حتى يتحول الاتفاق إلى بداية مفاوضة جديدة

وتدفع أكثر

كأنّك لم تقل شيئًا قبل قليل

لا أحد يغشك تماما

لكن لا أحد يفي بما قال

سواكن… المدينة التي لا تخفي تعبها

سواكن لا تزيف انطباعها

تلقاك بوجهها كما هو

متعب مغبر

كأنّها لم تنم جيدا منذ سنوات

كل شيء فيها يسير ببطء

لكن ليس من طمأنينة…

بل من ثقل في الروح

كأن المدينة تجر نفسها لتبقى حية

الطرقات تشكو

والوجوه تشكو

والأحاديث كلها تنتهي إلى ذات الجملة

ما في حاجة بتمشي بسهولة

حتى الابتسامات فيها قصيرة النفس

لا تكمل الطريق معك

كأنها لا تملك طاقة للبقاء.

التعب له رائحة

في سواكن

تشم التعب قبل أن تراه

من رائحة المركبات القديمة

من الكهرباء التي تنطفئ فجأة

من التاجر الذي يجادلك كثيرا

لأنه يعرف أن يدك ثقيلة … مثله

لا أحد يكذب مرة واحدة

لان الحقيقة نفسها متعبة

وكل شيء يؤجل

إلا الغلاء…

فهو دائم الحضور لا يؤجل ولا ينسى

بورتسودان… الغلاء بصوت عال

بورتسودان تبهتك أولًا

مدينة تمشي…

والناس تمشي

والحركة مستمرة

لكن ما أن تبدأ الحساب

حتى تتوقف عن الدهشة

الغلاء هنا لا يختبئ

يصطدم بك في أول زجاجة ماء

في أول سيارة أجرة

في أول طبق طعام

وفي أول زيارة لأي مكان حكومي أو خاص

الأسعار تقال بثقة

كأنها لا تخيف أحدا

والذي لا يدفع

يمشي

ليس في القانون ما يقول هذا

لكن في الواقع… كل شيء يعامل مالك لا اسمك

الخدمة تتبدل بحسب ما تخرجه من جيبك

والابتسامة تزاد أو تسحب حسب ملامح محفظتك

لا إساءة مباشرة

لكن الإهمال يتضاعف كلما قلت قدرتك

حتى عند السؤال عن الطريق

الرد يجيء فاتراً

إلا إن ظن السائل أنك زول مرتاح..

حينها فقط يتغير الصوت ويتسع الوجه

التجوال الجميل… رغم كل شيء

ورغم كل ذلك

في بورتسودان متعة خفية في المشي

في الشوارع شيء من الصدق

لا تتزين لك

لكنها لا تطردك أيضا

تمشي وسط الناس

كأنّك تعرفهم

كأنهم يشبهونك في التعب

الملوحة على جلدك

والحرارة في ظهرك

لكنك تمضي…

ربما لأنك لا تعرف إلى أين

لكنك تعرف من أين أتيت

في سواكن

الزمن بطيء.

وفي بورتسودان

الزمن سريع لكن المال أبطأ

وفي كليهما

البلد ليست ضدك…

لكنها لا تقف معك.

كل شيء فيها يمشي بصعوبة

وكأن الأرض لم تعد مستوية

وكأننا جميعا

نمشي في وطن مائل

 

عثمان عربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى