مقالات وكتاب

جرة قلم | نسيبة خالد | وطنٌ مجروح

صوت الشارع

مقالات وكتاب

جرة قلم | نسيبة خالد | وطنٌ مجروح

كان السودان يشبه أباً عجوزاً يجلس تحت شجرةٍ عتيقة على ضفة النيل، يحمل في عينيه ذاكرة قرونٍ من الحكايات. كانت الأرض من حوله واسعة، تتعانق فيها السهول مع الجبال، وتختلط فيها لهجات الناس كما تختلط مياه الروافد قبل أن تصب في النهر العظيم.

في إحدى الليالي، جلس الأب وحيداً. نظر إلى السماء التي أثقلتها الغيوم، وتنهد طويلاً. لم يكن وجعه من فقرٍ أصابه، ولا من جفافٍ مرّ على حقوله، بل من أبنائه الذين فرّقت بينهم الخصومات حتى نسوا أنهم ينتمون إلى البيت ذاته.

مرّت به فتاة صغيرة تحمل كتاباً قديماً. سألته: “يا أبي، لماذا تبدو حزيناً؟”

ابتسم ابتسامةً باهتة وقال: “لأن الجرح حين يأتي من الغريب يؤلم، أما حين يأتي من الأبناء فإنه يكسر القلب.”

جلست الفتاة إلى جواره، وأخذت تتأمل النيل وهو يمضي في هدوء رغم كل شيء.

قالت: “وهل تشفى الأوطان من جراحها؟”

رفع رأسه نحو الأفق البعيد وقال: “الأوطان لا تموت يا ابنتي، لكنها تتعب. تشبه الأشجار الكبيرة؛ قد تنكسر بعض أغصانها، وقد تعصف بها الرياح، لكنها تبقى واقفة ما دامت جذورها حية في قلوب أهلها.”

صمتت الفتاة قليلاً، ثم فتحت كتابها وبدأت تقرأ بصوتٍ عذب عن العلماء والشعراء والمزارعين والجنود والمعلمين الذين صنعوا تاريخ البلاد. ومع كل صفحة كانت تقرؤها، كان وجه الأب يستعيد شيئاً من نوره.

وعندما أشرقت الشمس في الصباح، نهض الأب من مكانه. كانت آثار الجراح ما تزال واضحة، لكنها لم تعد تبدو مخيفة كما كانت في الليل.

قال للفتاة: “أتعلمين ما الذي يعيد للأوطان عافيتها؟”

هزّت رأسها بالنفي.

فأجاب: “أن يدرك أبناؤها أن الوطن أكبر من خلافاتهم، وأبقى من مصالحهم، وأغلى من كل ما يتنافسون عليه.”

ابتسمت الفتاة وأغلقت كتابها، ثم سارا معاً بمحاذاة النيل. كان الطريق طويلاً، لكن الشمس كانت تشرق من جديد، وكأنها تهمس للسودان:

“مهما اتسعت الجراح، يبقى الأمل قادراً على تضميدها، ويبقى الوطن وطناً ما دام في أبنائه من يؤمن بأنه يستحق الحياة.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى