مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان: الحقوق السياسية في ميزان الأخلاق والقيم الإسلامية

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان: الحقوق السياسية في ميزان الأخلاق والقيم الإسلامية

دكينيات(١١٢٠)

بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان: الحقوق السياسية في ميزان الأخلاق والقيم الإسلامية

تعقيباً على مقال الدكتور عصام دكين حول الحقوق السياسية وحرية إبداء الرأي.
دكتور الفاتح احمد الطيب.
الناشر سلسلة دكينيات 2026/11/5م

الشكر والتقدير للدكتور عصام دكين على هذا الطرح المهم الذي يفتح باباً للحوار حول واحدة من أعقد قضايا بناء الدولة السودانية: كيف ننتقل بالمواطن من موقع الخضوع للسلطة إلى موقع الشراكة في صناعة القرار ومراقبة الأداء والمحاسبة؟

وأود بأن أضيف أن النقاش حول الحقوق السياسية والديمقراطية والعلاقة بين الدين والدولة ينبغي ألا يقتصر على استيراد النماذج السياسية أو المقارنة بين التجارب الغربية والإسلامية وإنما يحتاج إلى استحضار المنظومة الأخلاقية والتشريعية التي جاء بها الإسلام لتنظيم حياة الإنسان والمجتمع

أولًا _ بناء الإنسان قبل بناء المؤسسات

لنعلم ان منطلق أي مشروع حقيقي لبناء الدولة هو الإنسان فالأنظمة السياسية مهما بلغت جودة دساتيرها وقوانينها لا تستطيع تحقيق العدالة إذا غابت الأخلاق وضعفت الأمانة وانعدمت المسؤولية
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
وهذا الحديث يؤسس لحقيقة مهمة وهي أن الأخلاق ليست أمراً تكميلياً في حياة الأمم بل هي أساس استقرارها واستمرارها
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾
إنها قاعدة قرآنية جامعة لتنظيم الحياة العامة من علاقة الحاكم بالمحكوم إلى علاقة القوي بالضعيف ومن إدارة المال العام إلى تحقيق العدالة الاجتماعية
فالأمة التي تغيب فيها الأمانة ويأكل قويها ضعيفها ويصبح الظلم فيها وسيلة لاكتساب الحقوق فثق بانها أمة تفقد مقومات قوتها وتعرض مستقبلها للخطر مهما امتلكت من موارد وثروات

ثانياً _ السلطة أمانة وليست امتيازاً

من أهم الإضافات التي ينبغي أن تحكم نقاش الحقوق السياسية السلطة في التصور الإسلامي ليست امتيازاً شخصياً ولا ملكية لجماعة أو حزب وإنما مسؤولية وأمانة سيُسأل عنها صاحبها
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»
وهذا أصل عظيم في المسؤولية العامة فالحاكم مسؤول والوزير مسؤول والمدير مسؤول وكل من يتولى شأناً من شؤون الناس مؤتمن عليه
ومن هنا فإن محاسبة المسؤول ليست انتقاصاً من مكانته بل هي حماية للأمانة وضمان لعدم انحراف السلطة عن غاياتها

ثالثا _ الشورى وحق المشاركة والاختلاف

لم يجعل الإسلام الإنسان مجرد متلقٍ للأوامر والقرارات بل قرر قيمة الشورى والمشاركة والنصيحة.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾
وقال سبحانه مخاطباً رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم :﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيد بالوحي، مأموراً بالشورى فإن ذلك يحمل دلالة عظيمة على قيمة المشاركة والاستماع إلى الرأي الآخر
كما أن السنة النبوية أرست مبدأ النصيحة، فقال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة»
فالنصيحة ليست تملقاً للحاكم ولا تبريراً لأخطائه وإنما هي إرادة الخير له وللمجتمع ومن مقتضياتها بيان الخطأ والدعوة إلى الإصلاح.
وهنا ينبغي أن نؤكد أن الاختلاف في الرأي لا يعني العداء للوطن وأن نقد المسؤول لا يعني معاداة الدولة بل إن النقد المسؤول قد يكون من أهم وسائل حماية مؤسساتها من الفساد وسوء الإدارة

رابعاً_ الأمانة والعدل أساس الحقوق السياسية

إن الحقوق السياسية لا تستقيم بمجرد وجود الانتخابات والأحزاب والدساتير بل تحتاج إلى منظومة أخلاقية تحكم الممارسة السياسية
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
وهذه الآية تضع قاعدة بالغة الأهمية في العمل السياسي فلا يجوز أن تتحول الخصومة إلى مبرر للظلم ولا أن تصبح الاختلافات السياسية سبباً لسلب الآخرين حقوقهم.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»
فلا ديمقراطية حقيقية مع الظلم ولا مواطنة متساوية مع المحاباة ولا دولة مؤسسات مع غياب الأمانة والعدالة

خامساً_ الحرية مسؤولية وليست فوضى

إن حق الإنسان في التعبير عن رأيه وإبداء اعتراضه من الحقوق التي ينبغي حمايتها لكن الحرية في التصور الإسلامي ترتبط بالمسؤولية الأخلاقية واحترام كرامة الآخرين
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾
وقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
فحرية التعبير لا تعني التشهير أو الكذب أو الاعتداء على كرامة الآخرين كما أن حماية الأخلاق لا ينبغي أن تكون ذريعة لإسكات النقد أو مصادرة حق الاختلاف
فالمطلوب حرية مسؤولة وقانون عادل وقضاء مستقل ومؤسسات تحمي حق المواطن في التعبير وتحاسب من يعتدي على حقوق الآخرين

سادساً _ السودان الذي نريد بناءه

أزمة السودان ليست أزمة دساتير وقوانين فقط وليست أزمة صراع بين العلمانية والدولة ذات المرجعية الدينية فحسب وإنما هي أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الإنسان الذي يدير الدولة والثقافة التي تحكم مؤسساتها والقيم التي توجه سلوك المجتمع
نحتاج إلى دولة لا تحتكر فيها سلطة أو حزب أو فئة حق تقرير مصير الآخرين
دولة تحترم التنوع الديني والثقافي والسياسي وتصون كرامة الإنسان وحقوقه وتساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات
وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن نفصل بناء الدولة عن القيم الأخلاقية التي جاء بها الإسلام والتي تؤكد العدل والأمانة والرحمة والتكافل وصيانة الحقوق ومحاربة الظلم والفساد.
كما لا بد أن ندرك أن الحقوق السياسية لا تنفصل عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية فالمواطن الذي لا يجد تعليماً جيداً أو أمناً أو الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة قد يمتلك حق التصويت نظرياً لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة الفعلية على المشاركة الواعية في صناعة مستقبله.

خلاصة القول
إن بناء السودان لا يبدأ بتغيير الحكام وحدهم وإنما بتغيير فلسفة الحكم وبناء الإنسان وترسيخ الأخلاق وإقامة مؤسسات تحكمها الأمانة والعدالة والمساءلة
فالقرآن الكريم والسنة النبوية لم يقدما للإنسان شعائر تعبدية فحسب بل وضعا أصولاً عظيمة لتنظيم الحياة الإنسانية والاجتماعية والسياسية
وإذا أردنا الاستفادة من تجارب العالم في بناء المؤسسات الديمقراطية فعلينا ألا نتخلى عن مرجعيتنا الأخلاقية بل أن نجعل من قيمنا الإسلامية أساساً للعدل والحرية وصيانة الحقوق دون إقصاء أو احتكار أو تمييز
وأضيف إلى سؤال المقال: «هل يستطيع المواطن أن يقول لا؟» سؤالاً أراه أكثر عمقاً
هل تستطيع السلطة أن تسمع كلمة (لا) وتحترمها وتتعامل معها باعتبارها حقاً ووسيلة لتصحيح المسار لا تهديداً لوجودها؟ وهل يستطيع المسؤول أن يعترف بالخطأ ويعيد الحق إلى صاحبه دون أن يرى في ذلك انتقاصاً من مكانته؟
فالدولة القوية ليست التي يخاف مواطنوها من حكامها وإنما التي يثق مواطنوها في عدالة مؤسساتها
فالأوطان لا تُبنى بالقوانين وحدها ولا بالشعارات وحدها وإنما تُبنى بالإنسان الصالح والسلطة الأمينة والعدل الذي لا يميز بين قوي وضعيف وبالمؤسسات التي تجعل كرامة الإنسان وحقوقه فوق كل اعتبار
والله من وراء القصد.

د. الفاتح أحمد الطيب محمد
الأربعاء 2026/11/4

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى