بكاء على وطني المحبوب | عماد الدين السنهوري | شروط القوات المسلحة للهدنة الإنسانية: حق أم تسويف

صوت الشارع
مقالات وكتاب
بكاء على وطني المحبوب | عماد الدين السنهوري | شروط القوات المسلحة للهدنة الإنسانية: حق أم تسويف
في بلدٍ أنهكته الحرب، لا تبدو الهدنة الإنسانية بندًا تفاوضيًا عابرًا، بل فرصة لفتح طريق أمام الغذاء والدواء، وإجلاء المرضى والجرحى، وحماية المدنيين من استمرار القتال. لذلك يبرز سؤال مهم: هل يحق للقوات المسلحة السودانية أن تضع شروطًا للهدنة؟ وهل تمثل هذه الشروط ضمانات ضرورية أم بابًا جديدًا لتأجيلها؟
من حيث المبدأ، يحق لأي طرف في النزاع أن يفاوض على ترتيبات وقف القتال. فالهدنة تحتاج إلى اتفاق واضح يحدد وقت بدايتها ونهايتها، ومناطق سريانها، وآليات مراقبتها، وكيفية تأمين الممرات الإنسانية. ومن دون ترتيبات قابلة للتحقق، قد تتحول الهدنة إلى إعلان بلا أثر على الأرض.
لكن الهدنة الإنسانية لها غاية محددة: تخفيف معاناة المدنيين وإيصال المساعدات. ولهذا ينبغي ألا تتحول إلى رهينة لتسوية كل الملفات العسكرية والسياسية دفعة واحدة. فانسحاب القوات من الأحياء السكنية والمنشآت المدنية، وضمان عدم استهداف المدنيين، وتأمين قوافل الإغاثة، شروط يمكن أن تخدم الهدف الإنساني إذا كانت واضحة ومحددة وقابلة للمراقبة. أما اشتراط حسم قضايا مثل نزع السلاح الكامل أو المحاسبة أو شكل الحكم قبل بدء وقف النار، فهي ملفات أوسع تحتاج إلى مسار تفاوضي مستقل، ولا ينبغي أن تؤخر إنقاذ الناس.
القانون الدولي الإنساني لا يفرض على طرف قبول أي مقترح بعينه، لكنه يلزمه بحماية المدنيين واحترام العاملين في الإغاثة وعدم عرقلة المساعدات الإنسانية المحايدة دون مبرر. كما أن تنظيم مرور الإغاثة أو تفتيشها لأسباب أمنية لا ينبغي أن يتحول إلى تأخير طويل أو منع فعلي لوصولها إلى المحتاجين. وهذه الالتزامات لا تتوقف على توقيع هدنة، ولا تسقط بسبب انتهاك الطرف الآخر لها.
وفي النقاش الجاري حول مقترح الهدنة لمدة 90 يومًا، أظهرت تقارير صحفية أن الحكومة السودانية طالبت بانسحاب مراقب للدعم السريع من المناطق الحضرية، بينما تضمنت تقارير أخرى مطالب أكثر اتساعًا. قد يكون الخوف من بقاء القوات داخل المدن مفهومًا، وقد تكون الحاجة إلى ضمانات تنفيذية مشروعة؛ لكن السؤال الحاسم هو: هل تُستخدم هذه الشروط لتأمين الهدنة، أم لجعلها مستحيلة قبل أن تبدأ؟
لا يمكن الجزم بأن كل شرط هو تسويف، كما لا يمكن اعتبار كل شرط ضمانة مشروعة لمجرد تسميته شرطًا أمنيًا. المعيار هو صلته المباشرة بحماية المدنيين، ووضوحه، وإمكان التحقق منه، وألا يمنع المساعدات العاجلة أو يؤجلها. فإذا كانت الشروط عملية ومتبادلة ومحددة بزمن، فقد تعزز الهدنة. وإذا ظلت مفتوحة، أو ربطت الإغاثة بتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، فإنها تبتعد عن الغرض الإنساني وتغذي الشك في جدية الأطراف.
المدنيون لا ينبغي أن ينتظروا اكتمال التسوية السياسية كي يحصلوا على الغذاء والدواء والأمان. المطلوب هدنة قابلة للتنفيذ، وضمانات تراقبها جهة موثوقة، وممرات آمنة تصل عبرها المساعدات إلى كل محتاج. فالمعيار الحقيقي ليس من وضع الشروط، بل ما إذا كانت هذه الشروط تقرّب وقف النار وتخفف معاناة الناس، أم تبقي الحرب مستمرة بينما يزداد المدنيون دفعًا للثمن.


