مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | خيانة النخب السياسية للوطن… عندما تصبح السلطة أغلى من السودان

صوت الشارع

مقالات وكتاب

 

قلم حر | نسيبة خالد | خيانة النخب السياسية للوطن… عندما تصبح السلطة أغلى من السودان

 

ليست كل خيانة للوطن بندقية تُرفع في وجه الدولة، ولا كل خائن يقف خلف الحدود. هناك خيانة أكثر خطورة؛ خيانة ترتدي ثوب السياسة، وتتحدث باسم المصلحة العامة، بينما تتحرك بدافع السلطة والنفوذ والمصلحة الشخصية.

حين تتحول السياسة من وسيلة لبناء الدولة إلى وسيلة للاستحواذ عليها، يصبح الوطن هو الخاسر الأكبر.

النخبة السياسية ليست مجرد مجموعة من الأشخاص يتنافسون على المناصب؛ إنها تتحمل مسؤولية تاريخية تجاه الدولة والمجتمع. ولذلك فإن استخدام الانقسامات القبلية والمناطقية، أو المتاجرة بمعاناة المواطنين، أو تحويل الدولة إلى ساحة لتصفية الحسابات، يمثل انحرافاً خطيراً عن جوهر العمل السياسي.

عندما تصبح الدولة غنيمة

المشكلة لا تكمن في الاختلاف السياسي. فالاختلاف حق، والمعارضة حق، والنقد حق، والمنافسة على السلطة حق مشروع.

لكن الخط الأحمر يبدأ عندما يصبح إسقاط الخصم أهم من إنقاذ الدولة، وعندما تصبح المصلحة الحزبية أعلى من المصلحة الوطنية، وعندما يتحول الوطن إلى ورقة تفاوض.

السياسي الذي يعارض حكومة يستطيع أن يعارضها، والذي يرفض سياساتها يستطيع أن ينتقدها، والذي يريد تغييرها يستطيع أن ينافسها بالوسائل المشروعة.

أما أن يصبح انهيار الدولة ثمناً للانتصار السياسي، فهنا تتحول المنافسة إلى خطر على الوطن.

السودان يدفع ثمن النخب

السودان لم يفتقر إلى الموارد ولا إلى الكفاءات، لكنه دفع ثمناً باهظاً لصراعات سياسية متكررة، وضعف المؤسسات، وغياب الاستقرار، وتغليب الحسابات الضيقة على مشروع الدولة.

والمؤلم أن المواطن ظل يدفع الفاتورة: حرباً ونزوحاً وفقداناً للعمل والتعليم والخدمات، بينما تستمر النخب في إنتاج الخطابات والتحالفات والصراعات.

لهذا يجب أن تُطرح الأسئلة بلا خوف:

من يتحمل مسؤولية القرارات التي قادت إلى الأزمات؟

من استفاد من استمرار الانقسام؟

من عطّل بناء المؤسسات؟

ومن جعل المواطن يدفع ثمن صراع لا يملك قراراً فيه؟

هذه ليست أسئلة لتصفية الحسابات، وإنما أسئلة ضرورية إذا كان السودان يريد أن يتعلم من أخطائه.

لا يجوز تحويل الخلاف إلى تخوين

ومن الخطأ أن يصبح مصطلح «الخيانة» سلاحاً ضد كل مخالف.

المعارضة ليست خيانة، والنقد ليس خيانة، والصحافة ليست خيانة، والمطالبة بالإصلاح ليست خيانة.

لكن عندما تثبت الأدلة والقانون أن شخصاً أو جهةً تعمدت الإضرار الجسيم بالمصلحة الوطنية لمصلحة خاصة أو تنظيمية، فهنا تصبح المساءلة ضرورة، أياً كان اسم الشخص أو موقعه أو انتماؤه.

الدولة القوية لا تحمي الفاسد لأنه حليف، ولا تجرّم المعارض لأنه خصم.

أخطر النخب هي التي تتغير مبادئها بتغير موقعها

هناك من يتحدث عن الديمقراطية عندما يكون خارج السلطة، ثم يبرر الإقصاء عندما يصل إليها.

يتحدث عن دولة المؤسسات، ثم يبحث عن الاستثناء عندما تتعارض المؤسسات مع مصالحه.

يرفع شعار العدالة ضد خصومه، ثم يطلب الحصانة عندما تطاله المساءلة.

هذه الازدواجية هي التي قتلت ثقة المواطن في السياسة، وجعلت كثيراً من الناس يرون أن الصراع ليس على مستقبل الدولة، وإنما على من يمتلك مفاتيحها.

السياسة ليست سوقاً للمواقف.

والمبدأ الذي يتغير كلما تغيرت المصلحة ليس مبدأً.

المواطن هو من يدفع الثمن

النخب تتفاوض، وتتحالف، وتختلف، وتغير مواقعها.

لكن المواطن هو الذي يدفع الثمن عندما تنهار الدولة.

هو الذي يفقد منزله، وعمله، وتعليمه، وأمنه، ومستقبله.

ولهذا فإن أي مشروع سياسي لا ينعكس على حياة المواطن، ولا يضع بناء الدولة فوق صراع السلطة، يبقى مجرد مشروع للسيطرة وليس مشروعاً وطنياً.

لا أحد فوق الوطن

السودان بحاجة إلى قطيعة حقيقية مع عقلية الغنيمة السياسية.

السؤال لم يعد فقط: من يحكم السودان؟

بل يجب أن يكون: كيف يُحكم السودان؟

نريد مؤسسات أقوى من الأشخاص، وقانوناً يسري على الجميع، ومحاسبة لا تميز بين حليف وخصم، ومنافسة سياسية لا تستخدم الدولة والمجتمع وقوداً لها.

ومن ارتكب جريمة يجب أن يحاسب وفق القانون، ومن أفسد المال العام يجب أن يخضع للمساءلة، ومن تورط في انتهاكات جسيمة يجب ألا تحميه صفته السياسية.

لكن العدالة يجب أن تكون واحدة؛ لا انتقاماً سياسياً، ولا حصانة للأقوياء.

الوطن أكبر من الجميع

هذه هي الحقيقة التي يجب أن تدركها كل النخب:

أنتم عابرون، والوطن باقٍ.

المناصب تتغير، والحكومات ترحل، والأحزاب تتبدل، والتحالفات تنتهي، لكن السودان يبقى.

لذلك لا يجوز أن يصبح الوطن رهينة لمصالح الأشخاص، ولا أن يكون المواطن مجرد رقم في خطاب سياسي، ولا أن يتحول الدم إلى ورقة تفاوض.

السودان لا يحتاج إلى نخب تتحدث كثيراً باسم الوطن، بل إلى نخب تثبت بالأفعال أنها تعمل من أجله.

فالتاريخ لا يحفظ الشعارات وحدها.

سيحفظ من أنقذ الدولة، ومن استغلها، ومن تحمل المسؤولية، ومن هرب منها.

وفي النهاية سيبقى السؤال أمام كل من تصدر المشهد:

عندما تنتهي السلطة وتسقط الشعارات وتغادرون المناصب، ماذا سيبقى منكم في ذاكرة وطنكم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى