مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | شرعية القوات المسلحة وقيادتها حق مكتسب

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | شرعية القوات المسلحة وقيادتها حق مكتسب

في الدول التي تعرف معنى الدولة، لا تُبنى شرعية القوات المسلحة على المزاج السياسي، ولا تتغير بتغير الحكومات أو التحالفات أو موازين القوى. فالقوات المسلحة، باعتبارها المؤسسة النظامية المعنية بالدفاع عن سيادة البلاد وسلامة أراضيها، تستمد وجودها من الدولة والقانون والواجب الوطني.
وفي السودان، لم تكن القوات المسلحة مؤسسة طارئة على المشهد الوطني، بل مؤسسة ارتبط تاريخها بالدولة السودانية الحديثة، وبمهام الدفاع عن السيادة وحماية الأراضي والمشاركة في مواجهة التهديدات التي تستهدف البلاد.
وقد نصت الوثيقة الدستورية الانتقالية لعام 2019 على أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسستان عسكريتان وطنيتان مهمتهما حماية وحدة وسيادة الوطن، وأن علاقتهما بالسلطة التنفيذية تنظمها القوانين. كما جعلت الوثيقة الدستورية سيادة الدولة خاضعة لحكم القانون. �
مشروع الدستور +١
ومن هنا، فإن الحديث عن شرعية القوات المسلحة يجب ألا يتحول إلى جدل سياسي عابر، لأن وجود مؤسسة عسكرية وطنية للدولة يختلف عن تقييم أداء قيادة أو حكومة أو مرحلة سياسية بعينها.
القيادة جزء من المؤسسة وليست بديلاً عنها
حين نقول إن شرعية القوات المسلحة وقيادتها حق مكتسب، فإن المقصود ينبغي أن يكون واضحاً: حق المؤسسة في القيام بواجبها الوطني، وحق قيادتها في ممارسة صلاحياتها التي يمنحها القانون والنظام العسكري.
لكن الحق المكتسب لا يعني حصانة مطلقة من القانون.
فالقيادة العسكرية، مهما بلغت مكانتها، تظل جزءاً من منظومة الدولة، وصلاحياتها ترتبط بالقوانين المنظمة للقوات المسلحة وبالتسلسل القيادي وبالإطار الدستوري القائم.
وهنا تظهر أهمية الفصل بين ثلاثة أمور:
المؤسسة العسكرية، والقيادة العسكرية، والموقف السياسي.
فالخلط بينها يجعل أي نقد للقيادة يبدو وكأنه عداء للجيش، كما يجعل أي دفاع عن الجيش يبدو وكأنه تفويض مطلق لكل قرار تتخذه القيادة.
وهذا الخلط لا يخدم الدولة.
الجيش الوطني لا يحتاج إلى شهادة من الأحزاب
القوات المسلحة الوطنية لا تستمد مشروعيتها من حزب سياسي، ولا تحتاج إلى موافقة تيار مدني حتى تؤدي مهمتها الأساسية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول المؤسسة العسكرية إلى طرف حزبي أو سياسي.
فالدستور السوداني السابق لعام 2005 وصف القوات المسلحة بأنها قوات نظامية واحترافية وغير حزبية، وحدد من مهامها الدفاع عن السيادة وسلامة الأراضي واحترام حكم القانون والنظام الدستوري. �
مشروع الدستور +١
وهذه المبادئ مهمة لأنها تضع المؤسسة فوق التجاذبات الحزبية، لا فوق القانون.
القوة الحقيقية للجيش ليست في أن يصبح طرفاً في كل خلاف سياسي، وإنما في أن يبقى جيش الدولة.
في زمن الحرب.. تتضاعف مسؤولية القيادة
الحرب تختبر المؤسسات أكثر مما تختبر الشعارات.
وعندما تتعرض الدولة لتهديد مسلح، يصبح من الطبيعي أن تتولى القوات المسلحة مهام الدفاع العسكري، وأن تعمل قيادتها على إدارة العمليات وحماية القدرات العسكرية للدولة.
لكن الحرب لا تلغي القانون.
بل تجعل احترام القانون أكثر أهمية.
فالانتصار العسكري لا ينبغي أن يكون على حساب الدولة نفسها، ولا على حساب المدنيين، ولا على حساب مستقبل المؤسسة العسكرية.
ولهذا فإن قوة القيادة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة المعركة، وإنما أيضاً بقدرتها على المحافظة على تماسك المؤسسة وانضباطها، وحماية المدنيين، والالتزام بالقواعد القانونية، ومنع تحول الحرب إلى حالة دائمة تعيد إنتاج نفسها.
الشرعية ليست ملكية شخصية
من الأخطاء الخطيرة أن يُنظر إلى شرعية القوات المسلحة باعتبارها ملكاً لشخص أو مجموعة من الأشخاص.
القائد العسكري يأتي إلى موقعه ويغادره، أما المؤسسة فتبقى.
وهذه قاعدة جوهرية في كل دولة تريد بناء مؤسسات مستقرة.
فالقيادة التي تحمي المؤسسة تحمي نفسها تاريخياً، أما تحويل المؤسسة إلى امتداد لشخص أو تيار سياسي فيضعفها حتى لو بدا ذلك مفيداً على المدى القصير.
ولهذا فإن الحق المكتسب الحقيقي هو حق القوات المسلحة في البقاء مؤسسة وطنية موحدة ومهنية، وحق قيادتها في ممارسة صلاحياتها القانونية، وحق الدولة في أن تكون صاحبة القرار النهائي في السلاح والسيادة.
لا يمكن بناء الدولة بجيوش متنافسة
أحد الدروس الكبرى التي أظهرتها الحرب السودانية هو أن تعدد مراكز القوة المسلحة يخلق أزمة تتجاوز حدود الصراع السياسي.
الدولة الحديثة تحتاج إلى مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، وإلى منظومة أمنية واضحة، وإلى تسلسل قيادة معروف، وإلى قانون يحدد الاختصاصات.
وهذا لا يعني تجاهل الأسباب السياسية التي أدت إلى الحرب، ولا يعني إسقاط مسؤولية أي طرف عن الانتهاكات التي قد تثبتها التحقيقات المستقلة.
لكنه يعني أن مستقبل السودان لا يمكن أن يقوم على واقع تتنافس فيه مراكز السلاح على تعريف الدولة.
الدولة هي التي يجب أن تحتكر القوة المسلحة المنظمة وفق القانون.
احترام القوات المسلحة لا يعني إسكات النقد
من حق المواطن السوداني أن يحترم جيشه.
ومن حقه أيضاً أن يسأل عن القرارات والسياسات والنتائج.
فالاحترام الحقيقي للمؤسسة لا يعني منع النقد، كما أن النقد لا يعني بالضرورة العداء للمؤسسة.
بل إن المؤسسات القوية هي التي تستطيع التعامل مع النقد والمساءلة دون أن تفقد هيبتها.
وفي المقابل، يجب ألا يتحول النقد السياسي إلى حملات تستهدف هدم المؤسسة العسكرية أو إلغاء دورها الوطني.
المطلوب هو جيش قوي، لا جيش مسيّس؛ قيادة مسؤولة، لا قيادة فوق القانون؛ دولة مدنية ذات مؤسسات، لا دولة بلا قوة تحمي سيادتها.
الخلاف حول القيادة لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف حول الوطن
قد يختلف السودانيون حول قيادة عسكرية، أو حول قرار سياسي، أو حول طريقة إدارة الحرب، وهذا أمر يمكن مناقشته بالوقائع والقانون.
لكن الخلاف حول الأشخاص لا ينبغي أن يتحول إلى مشروع لهدم المؤسسة.
وفي الوقت ذاته، الدفاع عن المؤسسة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإغلاق المجال أمام المحاسبة.
هذه هي المعادلة الصعبة التي يحتاج السودان إلى ترسيخها:
نحمي المؤسسة، ونحاسب من يثبت تجاوزه للقانون.
نحترم القيادة، ونراجع أداءها بالوقائع.
ندعم الدولة، ولا نقدس الأشخاص.
السودان يحتاج إلى مؤسسة لا إلى رمز
القوات المسلحة ليست رمزاً لشخص، وإنما مؤسسة عمرها أطول من القيادات التي تتعاقب عليها.
وإذا كان السودانيون يريدون دولة مستقرة بعد الحرب، فإن أحد أهم شروط الاستقرار سيكون بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، مهنية، منضبطة، بعيدة عن الاستقطاب الحزبي، وخاضعة لإطار قانوني واضح.
وهنا تصبح عبارة «شرعية القوات المسلحة وقيادتها حق مكتسب» أكثر من مجرد عنوان.
إنها قضية مرتبطة بمستقبل الدولة نفسها.
لكن هذا الحق يكتسب قيمته عندما يكون مرتبطاً بالواجب.
شرعية الجيش تقابلها مسؤولية حماية الوطن.
وصلاحيات القيادة تقابلها مسؤولية المحاسبة.
والقوة العسكرية تقابلها مسؤولية احترام القانون.
وفي نهاية المطاف، لا يحتاج السودان إلى معركة جديدة حول من يملك الوطن.
الوطن ملك لشعبه، والقوات المسلحة مؤسسة من مؤسسات دولته، والقيادة أمانة ومسؤولية، والقانون هو الإطار الذي يحفظ للجميع حقوقهم وحدودهم.
فالجيش القوي هو جيش الدولة، والقيادة القوية هي التي تحمي المؤسسة، والدولة القوية هي التي لا تجعل شرعيتها رهينة للأشخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى