قلم حر | بقلم: نسيبة خالد | السودان في قبضة الانهيار: اقتصاد الحرب وفوضى الأمن وثمن الدولة الغائبة

صوت الشارع
مقالات وكتاب
السودان في قبضة الانهيار: اقتصاد الحرب وفوضى الأمن وثمن الدولة الغائبة
قلم حر | بقلم: نسيبة خالد | السودان في قبضة الانهيار: اقتصاد الحرب وفوضى الأمن وثمن الدولة الغائبة
لم يعد السودان يعيش أزمة اقتصادية عابرة، ولا انفلاتًا أمنيًا مؤقتًا يمكن احتواؤه بإجراءات إسعافية. ما يحدث أعمق وأخطر: الدولة نفسها تتعرض لاستنزاف ممنهج، والاقتصاد يتحول من أداة لبناء المجتمع إلى إحدى ساحات الصراع، بينما يدفع المواطن وحده فاتورة الفوضى.
منذ اندلاع الحرب، لم تتوقف الخسائر عند الأرواح والمنازل والبنية التحتية. هناك خسارة أقل ظهورًا، لكنها قد تكون الأطول عمرًا: تآكل قدرة الدولة على الإنتاج والتحصيل والإنفاق والحماية، وتراجع ثقة المواطن في مؤسساتها.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
فالدولة التي لا تستطيع حماية طريق تجاري، أو تأمين سوق، أو ضبط سعر، أو ضمان وصول الدواء والغذاء، لا تواجه فقط مشكلة في الإدارة.
إنها تواجه أزمة في جوهر وظائفها الأساسية.
الاقتصاد السوداني: من أزمة إلى اقتصاد حرب
قبل الحرب كان الاقتصاد السوداني يعاني أصلًا من اختلالات عميقة، لكن الحرب حولت هذه الاختلالات إلى أزمة شاملة.
توقفت أنشطة إنتاجية، تضررت المصانع والأسواق، تعطلت طرق التجارة، تراجعت القدرة الشرائية، وتعرض النظام المصرفي لضغوط هائلة.
وفي المقابل، ارتفعت تكلفة كل شيء تقريبًا.
الغذاء.
الدواء.
النقل.
السكن.
التعليم.
حتى الوصول إلى الخدمات الأساسية أصبح في كثير من المناطق معركة يومية.
وهنا لا تكمن المشكلة في ارتفاع الأسعار وحده.
المشكلة أن الدخل نفسه لم يعد قادرًا على ملاحقة الأسعار.
فالراتب الذي كان يكفي أسرة قبل سنوات أصبح عاجزًا عن تغطية احتياجات أساسية، بينما تتآكل مدخرات الأسر بسرعة.
إنها عملية سحق بطيئة للطبقة الوسطى.
التضخم ليس رقمًا في تقرير
عندما يقول الاقتصادي إن التضخم مرتفع، فإن المواطن يسمع شيئًا مختلفًا تمامًا.
التضخم يعني أن راتب الموظف فقد جزءًا كبيرًا من قيمته.
يعني أن الأسرة تقلل عدد وجباتها.
يعني أن الطالب قد يترك المدرسة.
يعني أن المريض قد يؤجل علاجه.
يعني أن الأسرة التي كانت تخطط لبناء منزل أصبحت تبحث عن مكان آمن فقط.
ولهذا فإن التعامل مع التضخم بوصفه مؤشرًا ماليًا فقط هو خطأ سياسي واجتماعي.
التضخم في السودان أصبح قضية أمن قومي.
لأن الجوع والفقر والبطالة وانعدام الأفق يمكن أن تتحول، في بيئة مسلحة، إلى وقود إضافي للفوضى.
حين تغيب الدولة لا يغيب الاقتصاد… بل يتغير شكله
أخطر ما يحدث في اقتصاد الحرب أن الاقتصاد لا يتوقف تمامًا.
بل يبدأ في تغيير قواعده.
عندما تضعف المؤسسات الرسمية، تظهر شبكات أخرى:
وسطاء.
مهربون.
مضاربون.
اقتصاد نقدي.
تجارة غير رسمية.
أسواق موازية.
وشبكات مرتبطة بمراكز القوة والنفوذ.
وهكذا يصبح السؤال:
من يملك القدرة على الوصول إلى السلعة؟ ومن يملك القدرة على نقلها؟ ومن يملك الحماية؟ ومن يملك العملة؟
في الاقتصاد الطبيعي، يحدد السوق والقانون جزءًا كبيرًا من هذه الإجابات.
أما في اقتصاد الحرب، فقد تصبح القوة والنفوذ والحماية عناصر اقتصادية بحد ذاتها.
وهنا تتحول الفوضى الأمنية إلى مشروع اقتصادي لبعض المستفيدين منها.
الذهب: ثروة السودان أم وقود الصراع؟
يمتلك السودان موارد طبيعية هائلة، وفي مقدمتها الذهب.
لكن الثروة الطبيعية لا تصبح ثروة وطنية تلقائيًا.
الثروة تصبح ثروة وطنية عندما تدخل في منظومة رسمية شفافة: إنتاج، وبيع، وتحصيل، وموازنة، ورقابة.
أما عندما تعمل الموارد بعيدًا عن المؤسسات الرسمية، فإنها قد تتحول إلى مصدر تمويل للصراع.
وهنا يجب طرح السؤال الذي لا يحب كثيرون سماعه:
كم من اقتصاد الحرب يقوم على موارد السودان نفسها؟
ومن المستفيد من استمرار خروج الموارد بعيدًا عن الرقابة العامة؟
ومن يملك شبكات النقل والتجارة والتسويق؟
ومن يدفع ثمن هذه العملية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفًا صحفيًا.
إنها جزء من الحل.
لأنك لا تستطيع إيقاف حرب إذا تركت لها مصادر تمويل مفتوحة.
الفوضى الأمنية: عندما يصبح القانون أضعف من البندقية
الفوضى الأمنية ليست فقط أن تسمع إطلاق النار.
الفوضى تبدأ عندما يتوقف المواطن عن الاعتقاد بأن هناك جهة قادرة على حمايته.
عندما يصبح السفر بين المدن مخاطرة.
عندما يخشى التاجر نقل بضاعته.
عندما تصبح الطرق عرضة للنهب أو الابتزاز.
عندما تتعدد نقاط السيطرة.
عندما يصبح المواطن مضطرًا إلى البحث عن حماية خارج المؤسسات الرسمية.
في تلك اللحظة يحدث شيء خطير جدًا:
يبدأ المجتمع في بناء منظومته الأمنية الخاصة.
وهذه بداية تفكك الدولة.
فالدولة الحديثة تقوم على قاعدة بسيطة:
السلاح الشرعي في يد مؤسسات شرعية، والقانون فوق الجميع.
كلما انكسرت هذه القاعدة، أصبح بناء الدولة أكثر صعوبة.
المشكلة ليست عدد البنادق… بل تعدد مراكز القوة
السودان لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار.
يحتاج إلى معالجة السؤال الأصعب:
كيف يمكن أن يصبح السلاح خاضعًا للدولة، وليس العكس؟
لأن تعدد القوى المسلحة يعني بالضرورة تعدد مراكز القرار.
وتعدد مراكز القرار يعني صعوبة وجود سياسة اقتصادية موحدة.
وصعوبة وجود سياسة اقتصادية موحدة تعني استمرار الفوضى.
وهكذا يصبح الأمن والاقتصاد وجهين لأزمة واحدة.
الدولة التي لا تستطيع دفع رواتبها تخسر جزءًا من سلطتها
الرواتب ليست مجرد التزام مالي.
هي جزء من قدرة الدولة على الاحتفاظ بجهازها الإداري.
المعلم.
الطبيب.
المهندس.
الشرطي.
الموظف.
العامل.
كل هؤلاء يمثلون وجه الدولة في حياة المواطن.
وعندما يتآكل دخلهم أو تتعطل مؤسساتهم، يبدأ الفراغ الإداري.
وعندما يكبر الفراغ، تدخل البدائل.
السوق الموازي.
العمل غير الرسمي.
الوساطة.
الهجرة.
وأحيانًا الجريمة.
لذلك فإن إعادة تشغيل مؤسسات الدولة ليست ملفًا ثانويًا في مرحلة ما بعد الحرب.
إنها واحدة من معارك استعادة الدولة.
عسكرة المؤسسات: عندما تتداخل الدولة مع القوة
من أخطر الملفات التي يجب أن تناقشها أي عملية إصلاح مستقبلية مسألة تداخل المؤسسة العسكرية والأمنية مع الإدارة والاقتصاد والسياسة.
المؤسسة العسكرية لها دور مركزي في حماية الدولة، لكن إدارة الاقتصاد والخدمات والموارد العامة تحتاج إلى مؤسسات مدنية محترفة وخاضعة للرقابة.
عندما تتداخل الأدوار، تظهر أسئلة صعبة:
من يتخذ القرار؟
من يراقب؟
من يحاسب؟
ومن يملك الموارد؟
الدولة القوية ليست الدولة التي تكون فيها المؤسسة العسكرية حاضرة في كل شيء.
الدولة القوية هي التي تكون فيها لكل مؤسسة حدود واضحة واختصاصات واضحة وآليات مساءلة واضحة.
والجيش المهني لا يضعفه خضوعه للقانون والمؤسسات؛ بل تزيده المهنية قوة واحترامًا.
الطبقة الوسطى تدفع الثمن بصمت
ربما يكون انهيار الطبقة الوسطى أحد أكثر آثار الحرب خطورة وأقلها ظهورًا.
هذه الطبقة هي التي كانت تحمل جزءًا كبيرًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
أسر متعلمة.
موظفون.
مهنيون.
أصحاب أعمال صغيرة.
معلمون.
أطباء.
مهندسون.
تجار.
لكن الحرب دفعت كثيرين إلى الهجرة أو النزوح أو البطالة أو تغيير المهنة.
والأخطر أن جزءًا من رأس المال البشري الذي يحتاجه السودان لإعادة البناء أصبح خارج البلاد.
وهذا يعني أن السودان قد يخرج من الحرب وهو لا يفتقر إلى الأموال فقط، بل يفتقر إلى الأشخاص القادرين على إعادة تشغيل الدولة والاقتصاد.
الشباب: أكبر فرصة… وأكبر خطر
الشباب السوداني هو أكبر مورد لم يُستثمر بعد.
لكن الشباب الذي لا يجد تعليمًا أو عملًا أو مستقبلًا قد يصبح أكثر عرضة للهجرة أو الجريمة أو التجنيد أو اليأس.
وهنا يجب أن نتوقف عن التعامل مع تشغيل الشباب باعتباره برنامجًا اجتماعيًا.
تشغيل الشباب في السودان قضية أمن قومي.
كل وظيفة حقيقية هي خطوة نحو الاستقرار.
كل مشروع زراعي هو تقليل للاعتماد على الاستيراد.
كل مصنع يعاد تشغيله هو فرصة لعشرات أو مئات الأسر.
كل شاب يحصل على مهنة هو شخص أقل قابلية للوقوع في اقتصاد الحرب.
لا يمكن بناء السلام فوق اقتصاد الحرب
هذه هي الحقيقة التي يجب ألا تخاف منها أي حكومة مستقبلية:
السلام السياسي دون إصلاح اقتصادي وأمني قد يكون هدنة، وليس سلامًا.
إذا بقيت الموارد خارج الرقابة.
إذا بقي السلاح متعدد المراكز.
إذا بقي الاقتصاد الموازي أقوى من المؤسسات.
إذا بقيت البطالة مرتفعة.
إذا بقيت العدالة غائبة.
فإن أسباب الصراع ستظل موجودة حتى لو توقفت البنادق مؤقتًا.
ولهذا فإن مرحلة ما بعد الحرب يجب ألا تكون مجرد تقاسم للمناصب.
هذه ستكون كارثة جديدة.
السودان يحتاج إلى إعادة تأسيس، لا مجرد إعادة توزيع.
ماذا نحتاج؟
نحتاج إلى مشروع وطني واضح يقوم على خمسة مسارات متزامنة:
أولًا: استعادة الأمن
بناء مؤسسة أمنية وعسكرية وطنية مهنية، وإنهاء تعدد مراكز السلاح والقرار.
ثانيًا: إعادة بناء الاقتصاد
إعادة تشغيل الزراعة والصناعة والتجارة والنقل والطاقة والقطاع المصرفي.
ثالثًا: استعادة الموارد
وضع الذهب والمعادن والموارد الاستراتيجية تحت نظم شفافة للملكية والإنتاج والتسويق والتحصيل.
رابعًا: إعادة بناء الإنسان
إعادة التعليم والصحة والتدريب المهني وبرامج تشغيل الشباب.
خامسًا: إعادة بناء المؤسسات
قضاء فعال، إدارة عامة محترفة، رقابة مالية، مكافحة فساد، وشفافية في المال العام.
أخطر سؤال: من سيدفع فاتورة إعادة الإعمار؟
هذه ليست مسألة مالية فقط.
إذا لم تكن هناك شفافية، يمكن أن تتحول إعادة الإعمار إلى اقتصاد حرب جديد.
شركات تحصل على العقود بسبب النفوذ.
مشروعات ضخمة دون رقابة.
أموال مساعدات تختفي.
أراضٍ تُمنح بلا شفافية.
موارد طبيعية تُباع بأقل من قيمتها.
وعندها يصبح المواطن الذي دفع ثمن الحرب هو نفسه من يدفع ثمن إعادة الإعمار، بينما تذهب مكاسبها إلى طبقة جديدة من المنتفعين.
لذلك يجب أن تكون إعادة الإعمار مشروعًا عامًا يخضع للرقابة والمحاسبة، وليس غنيمة ما بعد الحرب.
السودان لا يحتاج إلى إعادة الساعة إلى ما قبل الحرب
هذه نقطة جوهرية.
العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب ليست بالضرورة انتصارًا.
لأن السودان كان يعاني أصلًا من أزمات سياسية واقتصادية ومؤسسية.
السؤال الصحيح ليس:
كيف نعيد السودان إلى ما كان عليه؟
بل:
كيف نبني سودانًا أفضل مما كان عليه؟
سودان لا تكون فيه الدولة ملكًا لحزب.
ولا المؤسسة العسكرية ملكًا لقيادة.
ولا الموارد ملكًا لمجموعة.
ولا الاقتصاد رهينة للسوق الموازي.
ولا المواطن مجرد متلقٍ للأوامر.
الخلاصة: السودان لا يموت من الحرب وحدها
الحرب تقتل.
لكن الفوضى تستنزف.
والفقر يهاجر بالعقول.
والبطالة تسرق المستقبل.
والفساد يسرق الموارد.
وغياب القانون يسرق الثقة.
وحين تجتمع هذه العناصر، تصبح الدولة نفسها هي الضحية.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يفرض نفسه على النخب السودانية ليس فقط:
كيف نوقف الحرب؟
بل:
كيف نمنع إعادة إنتاجها؟
ومن يملك الموارد؟
ومن يملك السلاح؟
ومن يراقب المال العام؟
ومن يضع السياسة الاقتصادية؟
ومن يحاسب المسؤول؟
ومن يحمي المواطن؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد السودان القادم.
أما الاكتفاء بتغيير الوجوه وتقاسم المناصب، مع إبقاء البنية نفسها التي أنتجت الأزمات، فلن يكون خروجًا من الأزمة.
سيكون إعادة تدوير لها.
السودان لا يحتاج إلى طبقة سياسية جديدة فقط.
ولا إلى اتفاق سياسي جديد فقط.
ولا إلى مساعدات جديدة فقط.
إنه يحتاج إلى عقد وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين السلطة والثروة، وبين الجيش والسياسة، وبين الموارد العامة والمصلحة الوطنية.
فإذا نجح السودان في ذلك، يمكن أن تتحول كارثة الحرب إلى نقطة تأسيس لدولة أقوى.
أما إذا فشل، فقد تنتهي المعارك في الخرائط بينما تستمر الحرب في الاقتصاد، وفي الشارع، وفي المؤسسات، وفي حياة المواطن.
وحينها لن يكون السؤال: متى تنتهي الحرب؟
بل:
كم بقي من الدولة؟



