قلم حر | نسيبة خالد | حوار سوداني سوداني شامل

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | حوار سوداني سوداني شامل
السودان لا يحتاج صفقة بين المتصارعين… بل ثورة سياسية على عقلية أنتجت الحرب
السودان لا يحتاج إلى مؤتمر جديد تتكرر فيه الوجوه نفسها، ولا إلى طاولة مستديرة تُلتقط حولها الصور ثم يبدأ توزيع المناصب قبل أن يجف حبر التوقيعات.
السودان يحتاج إلى مواجهة سياسية شجاعة مع الحقيقة.
والحقيقة القاسية هي أن الحرب لم تكن وليدة لحظة واحدة، ولم يصنعها طرف واحد، ولم تبدأ في يوم اندلاع القتال فقط.
لقد سبقتها سنوات من العجز السياسي، والانقسامات، وإدارة الدولة بعقلية الغلبة، وتضخم نفوذ السلاح، وفشل النخب في بناء مؤسسات وطنية قادرة على استيعاب الاختلاف.
ثم جاءت الحرب لتكشف كل شيء دفعة واحدة.
كشفت هشاشة الدولة.
كشفت عجز الطبقة السياسية.
كشفت خطورة تعدد مراكز القوة.
وكشفت قبل ذلك كله أن السودان ظل لسنوات يُدار بمنطق من يملك القوة يملك حق تحديد مستقبل الآخرين.
وهذا يجب أن ينتهي.
لا نريد حوارًا لتقاسم الجثة
أقولها بوضوح:
السودان ليس غنيمة سياسية حتى تتفاوض النخب على حصصها.
ليس من المقبول أن تتحول مأساة ملايين السودانيين إلى فرصة لإعادة تدوير القيادات نفسها، أو أن تصبح الحرب بوابة جديدة لتقسيم السلطة بين من يملك نفوذًا عسكريًا ومن يملك واجهة سياسية.
الشعب السوداني دفع الثمن.
ومن دفع الثمن هو الذي يجب أن يكون في مقدمة المشهد.
لا الذين اكتشفوا فجأة فضيلة الحوار بعد أن أصبح الوطن على حافة الانهيار.
الحوار الذي نحتاجه ليس حوارًا لإنقاذ السياسيين.
إنه حوار لإنقاذ السودان من السياسيين حين يفشلون في أداء دورهم الوطني.
كفى خداعًا باسم «الإجماع الوطني»
كم مرة سمع السودانيون هذه العبارة؟
«الإجماع الوطني».
ثم ماذا حدث؟
تجمعات سياسية مغلقة، بيانات، خلافات، انشقاقات، محاصصات، حكومات انتقالية، ثم أزمة جديدة.
الإجماع الحقيقي لا يُصنع داخل قاعات الفنادق.
الإجماع يُصنع عندما يشعر المواطن في أقصى السودان أن الدولة دولته، وأن صوته مسموع، وأن حقوقه لا تتوقف على انتمائه السياسي أو القبلي أو الجغرافي.
أما أن يتفق السياسيون فيما بينهم ثم يسموا ذلك «إجماعًا وطنيًا»، فهذه إحدى أكبر الأكاذيب السياسية التي يجب أن نتوقف عن تكرارها.
لا أحد فوق المساءلة
الحوار الشامل لا يعني أن يدخل الجميع القاعة ثم يخرج الجميع أبرياء.
هذه نقطة يجب أن تكون واضحة.
المصالحة لا تعني الإفلات من المساءلة.
والعدالة لا تعني الانتقام.
والسلام لا يعني دفن الحقيقة.
كل من ارتكب انتهاكًا أو ساهم في جرائم ضد المدنيين يجب أن يخضع للقانون وفق إجراءات عادلة وشفافة.
لكن في المقابل، يجب ألا تتحول العدالة إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.
السودان يحتاج إلى عدالة تبني دولة، لا عدالة تنتج ضحايا جددًا.
أما السلاح… فهذه هي العقدة التي يخاف الجميع من الاقتراب منها
فلنقترب منها.
لا يمكن أن تكون هناك دولة حقيقية مع وجود مراكز مسلحة متعددة تمتلك القدرة على فرض إرادتها خارج المؤسسات الدستورية.
ولا يمكن بناء ديمقراطية مستقرة بينما يكون السلاح حاضرًا كطرف محتمل في كل خلاف سياسي.
ولا يمكن أن يكون لكل أزمة سياسية «خيار عسكري» في الخلفية.
السلاح يجب أن يكون للدولة، والقرار العسكري يجب أن يكون للدولة، والقرار السياسي يجب أن يصدر من المؤسسات المدنية والدستورية.
هذه ليست قضية قابلة للمساومة.
وليست موجهة ضد جماعة بعينها.
إنها قاعدة تأسيسية لأي دولة محترمة.
ومن يريد العمل السياسي فليدخل السياسة.
ومن يريد بناء الدولة فليضع المؤسسة فوق الشخص.
أما خلط السياسة بالسلاح، فهو وصفة جاهزة لحرب جديدة مهما كانت جميلة الكلمات التي تُكتب في اتفاق السلام.
إلى النخب السودانية: كفى
كفى الحديث باسم الشعب.
كفى تقديم أنفسكم باعتباركم الممثل الوحيد للسودانيين.
كفى الاعتقاد أن امتلاك حزب أو منصب أو سلاح أو منبر إعلامي يمنح صاحبه حق احتكار المستقبل.
السودانيون ليسوا تابعين لأحد.
الشعب ليس جمهورًا ينتظر تعليمات القيادات.
الشباب الذين دفعوا حياتهم ومستقبلهم ثمنًا للحرب ليسوا وقودًا لمشروعات سياسية.
والنساء اللواتي حملن عبء الأسر والنزوح والفقد ليس من المقبول أن يكنّ مجرد ديكور في مؤتمرات الحوار.
والولايات التي ظلت لعقود تعاني التهميش ليست ملفات انتخابية تُفتح موسمًا وتُغلق موسمًا.
السودان ليس الخرطوم
هذه واحدة من أكبر الحقائق التي يجب أن يعترف بها أي حوار جاد.
السودان أكبر من العاصمة.
وأكبر من النخبة المركزية.
وأكبر من الأحزاب التي اعتادت أن تنظر إلى البلاد من الخرطوم.
دارفور ليست هامشًا.
كردفان ليست هامشًا.
الشرق ليس هامشًا.
النيل الأزرق ليس هامشًا.
الجزيرة ليست هامشًا.
الشمالية ونهر النيل ليستا هامشًا.
وحتى الخرطوم نفسها ليست ملكًا للنخب.
كل السودان مركز.
وكل مواطن سوداني يجب أن يكون مواطنًا كامل الحقوق أينما وُلد وأينما عاش.
ولهذا فإن أي حوار لا يعيد بناء العلاقة بين المركز والأقاليم، ولا يعالج توزيع السلطة والثروة والخدمات، ليس حوارًا وطنيًا كاملًا.
إنه مجرد إدارة مؤقتة للأزمة.
نريد أن نعرف: من يحكم السودان ولماذا؟
السؤال ليس استفزازيًا.
بل هو جوهر الأزمة.
هل السودان دولة مؤسسات؟
أم دولة أشخاص؟
هل السلطة تكليف مؤقت؟
أم ملكية سياسية؟
هل المنصب العام خدمة؟
أم امتياز؟
هل الجيش مؤسسة وطنية؟
أم طرف في المعادلة السياسية؟
هل الأحزاب مدارس لإنتاج السياسات؟
أم شركات لإنتاج الزعامات؟
هذه الأسئلة يجب أن تُطرح بلا مجاملة.
لأن السودان لن يتغير إذا ظللنا نخاف من الأسئلة الحقيقية.
لا عودة إلى النظام القديم… ولا عودة إلى الفوضى
المخرج ليس إعادة إنتاج الماضي.
وليس أيضًا هدم الدولة تحت شعار الثورة.
السودان يحتاج إلى طريق ثالث:
دولة قوية بالقانون، لا قوية بالقمع.
دولة مدنية، لا دولة رخوة.
جيش وطني، لا جيشًا سياسيًا.
أحزاب قوية بالبرامج، لا بالهتافات.
حكم محلي قوي، لا مركزية خانقة.
اقتصاد إنتاجي، لا اقتصاد حرب.
عدالة لا انتقام فيها، ومصالحة لا إفلات فيها.
هذه ليست شعارات.
هذه شروط بقاء.
أخطر ما يمكن أن نفعله هو إعادة تدوير الفشل
السودان لا يعاني نقصًا في السياسيين.
يعاني نقصًا في المشروع السياسي الوطني.
ولا يعاني نقصًا في المؤتمرات.
يعاني نقصًا في القرارات الشجاعة.
ولا يعاني نقصًا في البيانات.
يعاني نقصًا في المؤسسات.
ولا يحتاج إلى مزيد من الوعود.
يحتاج إلى نظام يجعل الفشل مكلفًا، والفساد مكلفًا، وإساءة استخدام السلطة مكلفة، والتلاعب بالدولة مكلفًا.
الديمقراطية ليست صندوق انتخابات فقط.
الديمقراطية مؤسسات ورقابة وقضاء مستقل وإعلام مسؤول ومجتمع مدني قوي وقواعد واضحة لتداول السلطة.
الحوار الحقيقي يجب أن يضع «خطوطًا حمراء»
هناك أمور لا ينبغي أن تكون محل تفاوض:
وحدة السودان.
سيادة الدولة.
حقوق المواطنين.
رفض استهداف المدنيين.
احتكار الدولة للسلاح.
استقلال القضاء.
التداول السلمي للسلطة.
المساواة بين المواطنين.
العدالة والمساءلة.
رفض العنصرية وخطاب الكراهية.
ومن يتجاوز هذه المبادئ لا ينبغي أن يحصل على مكافأة سياسية لمجرد أنه يمتلك قدرة على التعطيل.
نريد حوارًا لا يخاف من كلمة «لا»
لا للفساد.
لا للمحاصصة.
لا للمتاجرة بالحرب.
لا لتسليح السياسة.
لا لاحتكار السلطة.
لا لتهميش الأقاليم.
لا لإقصاء الشباب.
لا لاستخدام القبيلة كبديل للدولة.
لا لتحويل معاناة المواطن إلى سلعة سياسية.
ولا لأي مشروع يريد أن يجعل السودان تابعًا لإرادة الخارج.
وفي المقابل:
نعم للدولة.
نعم للمؤسسات.
نعم للعدالة.
نعم للتنمية.
نعم للتعدد.
نعم للمواطنة.
نعم للسلام.
نعم لديمقراطية لا تحميها البنادق، بل تحميها المؤسسات.
الخارج يستطيع أن يساعد… لكنه لا يستطيع أن يكون السودان
السودان يحتاج إلى المجتمع الدولي، ويحتاج إلى الدعم الإنساني والاقتصادي والسياسي.
لكن هناك فرقًا بين الدعم وبين أن يصبح القرار الوطني رهينة للمسارات الخارجية.
إذا دخل السودانيون الحوار وهم ينتظرون أن يقرر الآخرون شكل دولتهم، فقد خسروا الحوار قبل أن يبدأ.
المبادرة يمكن أن تأتي من الخارج.
الوساطة يمكن أن تأتي من الخارج.
الدعم يمكن أن يأتي من الخارج.
لكن الحل يجب أن يحمل توقيع الإرادة السودانية.
فلنقلها بأعلى صوت
السودان لا يحتاج إلى سلام بين النخب فقط.
يحتاج إلى سلام بين المجتمع والدولة.
لا يحتاج إلى تسوية بين المتصارعين فقط.
يحتاج إلى تسوية تاريخية بين السودانيين ودولتهم.
لا يحتاج إلى حكومة جديدة فوق مؤسسات قديمة.
يحتاج إلى إعادة بناء المؤسسات نفسها.
ولا يحتاج إلى وجوه جديدة بالضرورة.
يحتاج إلى عقلية سياسية جديدة.
هذه المرة يجب أن يكون المواطن هو صاحب الكلمة الأخيرة
إذا كان الحوار السوداني السوداني سيبدأ، فليبدأ من سؤال واحد:
ماذا يريد السوداني العادي من دولته؟
يريد الأمن.
يريد بيتًا يعود إليه.
يريد مدرسة لأطفاله.
يريد مستشفى.
يريد عملًا.
يريد طريقًا.
يريد كهرباء وماء.
يريد عدالة.
يريد أن يعيش دون خوف.
ويريد أن يعرف أن مستقبله لن يتحدد كل عدة سنوات بواسطة بندقية أو انقلاب أو صفقة سياسية خلف الأبواب.
هذا هو السودان الذي يجب أن نتفاوض من أجله.
الخلاصة
لقد انتهى زمن المجاملات.
وانتهى زمن الاعتقاد بأن تغيير الوجوه يعني تغيير الدولة.
وانتهى زمن منح السياسيين شيكًا على بياض باسم «المرحلة الانتقالية».
السودان أمام فرصة أخيرة لإعادة تعريف نفسه.
إما أن نخرج من الحرب بعقد وطني جديد، ودولة جديدة في قواعدها، ومؤسساتها، وعلاقتها بالمواطن…
أو نوقع اتفاقًا آخر، ونؤجل الأزمة، ثم نلتقي بعد سنوات في مؤتمر جديد لنسأل السؤال نفسه:
لماذا فشل السودان مرة أخرى؟
لذلك، فإن الحوار السوداني السوداني الشامل يجب ألا يكون حوارًا بين من يريدون السلطة.
بل حوارًا حول كيف نمنع السلطة من ابتلاع الدولة مرة أخرى.
ولا ينبغي أن يكون تفاوضًا على من يحكم السودان.
بل اتفاقًا على كيف يُحكم السودان.
وهنا يبدأ التغيير الحقيقي.
السودان لا يحتاج من ينقذ مقاعدهم.
السودان يحتاج من ينقذ دولته.
والتاريخ لن يسألنا فقط:
من انتصر في الحرب؟
بل سيسألنا السؤال الأصعب:
بعد كل هذا الدم والدمار… هل تعلمنا أخيرًا كيف نبني وطنًا لا يحتاج إلى حرب حتى يسمع أبناؤه بعضهم بعضًا؟



