قلم حر | نسيبة خالد | الوطن ليس غنيمة

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | الوطن ليس غنيمة
في اللحظات التي تضعف فيها الدولة، ويعلو فيها صوت الصراع على صوت العقل، يظهر أخطر المفاهيم السياسية على الإطلاق: أن الوطن غنيمة، وأن السلطة جائزة، وأن مؤسسات الدولة إرثٌ يحق للمنتصر أن يتصرف فيه كيف يشاء. ومن هنا تبدأ رحلة الانهيار، لأن الدول لا تسقط فقط تحت وقع الرصاص، بل قد تسقط أيضًا عندما تتحول فكرة الوطن من مسؤولية مشتركة إلى مكسب تتنافس عليه القوى المختلفة.
الوطن ليس قطعة أرض تُوزع بين المنتصرين، ولا خزينة مفتوحة لمن يصل إلى السلطة، ولا مؤسسات تُدار بعقلية الولاءات والمحاصصات. الوطن أكبر من الحكومات، وأبقى من الأشخاص، وأقدس من أن يكون وسيلة لتحقيق النفوذ أو الثروة أو تصفية الحسابات.
لقد أثبت التاريخ، في السودان وفي غيره من الدول، أن الأمم التي تُدار بمنطق الغنيمة تدخل في دائرة لا تنتهي من الصراعات. فكل طرف يسعى إلى إقصاء الآخر، وكل انتصار مؤقت يزرع بذور مواجهة جديدة، لأن الدولة لم تعد ملكًا لجميع مواطنيها، بل أصبحت في نظر البعض ملكًا لمن يملك القوة أو يفرض الأمر الواقع.
هذه العقلية لا تدمر السياسة وحدها، وإنما تدمر الأخلاق العامة أيضًا. فعندما يقتنع المواطن بأن النجاح لا يأتي عبر الكفاءة، وإنما عبر الولاء، تتراجع قيمة العلم والعمل والخبرة، ويحل محلها منطق الانتماءات الضيقة. وعندما يشعر الناس أن القانون لا يُطبق على الجميع، تضعف الثقة في الدولة، ويتحول احترام النظام إلى مجرد خيار، لا إلى قناعة.
إن السودان، وهو يمر بواحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخه الحديث، يحتاج إلى مراجعة عميقة لفكرة الدولة نفسها. فإعادة بناء المباني والجسور والطرق مهمة، لكنها لن تكون كافية إذا لم تُبنَ في الوقت نفسه جسور الثقة بين أبناء الوطن، وإذا لم تُستعد هيبة المؤسسات وسيادة القانون.
ولعل أخطر ما خلفته سنوات الحرب ليس فقط الدمار المادي، بل أيضًا التآكل الذي أصاب الوعي الجمعي. فقد أصبح كثيرون ينظرون إلى السياسة باعتبارها معركة صفرية؛ إما أن تربح كل شيء أو تخسر كل شيء. بينما تؤكد تجارب الدول الناجحة أن الاستقرار يبدأ عندما يدرك الجميع أن الدولة ليست ملكًا لفئة، وأن تداول السلطة لا يعني تداول الوطن.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل السودان دون الحديث عن العدالة. فالعدالة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي أساس الاستقرار. عندما يشعر المواطن أن حقوقه مصونة، وأن القانون يحميه بغض النظر عن قبيلته أو منطقته أو انتمائه، يصبح الدفاع عن الدولة واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون واجبًا قانونيًا.
إن إعادة بناء السودان تتطلب مشروعًا وطنيًا يتجاوز لغة الانتقام، دون أن يتجاوز حق الضحايا في العدالة، ويتجاوز عقلية الإقصاء، دون أن يتخلى عن المساءلة، ويؤسس لدولة المؤسسات لا دولة الأشخاص، ولدولة المواطنة لا دولة الامتيازات.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق السياسيين وحدهم. فالنخب الفكرية، والإعلام، والجامعات، ورجال الدين، ومنظمات المجتمع المدني، جميعها مطالبة بإعادة ترسيخ ثقافة الدولة. فالكلمة قد تبني وطنًا كما قد تهدمه، والخطاب المسؤول يصنع جسورًا بين الناس، بينما الخطاب الذي يكرس الكراهية لا ينتج إلا مزيدًا من الانقسام.
إن السودان يمتلك من التاريخ، والثروات، والتنوع الثقافي، والموارد البشرية، ما يؤهله ليكون دولة قوية ومؤثرة، لكن ذلك لن يتحقق إذا استمر التعامل مع السلطة باعتبارها غاية في ذاتها، لا وسيلة لخدمة الشعب. فالأوطان لا تنهض بالخطابات وحدها، وإنما بالإدارة الرشيدة، والشفافية، والمحاسبة، واحترام القانون.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل مسؤول، وكل قائد، وكل صاحب قرار: ماذا سنترك للأجيال القادمة؟ هل سنترك لهم وطنًا أنهكته الصراعات، أم دولة استعادت عافيتها بالإرادة والحكمة؟ إن التاريخ لا يذكر عدد من حكموا، بل يذكر كيف حكموا، وماذا تركوا خلفهم.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى منتصرين على بعضهم، بل يحتاج إلى منتصر واحد اسمه الوطن. فحين ينتصر الوطن، يربح الجميع، وحين يخسر الوطن، فلن يكون هناك رابح حقيقي مهما بدا المشهد مختلفًا.
الوطن ليس غنيمة تُقتسم، ولا جائزة تُمنح، ولا سلطة تُحتكر. الوطن أمانة في أعناق الجميع، ومن ينسى ذلك، لا يخسر خصومه فقط، بل يخسر وطنًا بأكمله.


